
في وقت تتسارع فيه وتيرة التصعيد في المنطقة، تأخذ زيارة رئيس الجمهورية جوزاف عون لواشنطن حيزاً من الاهتمام. فالزيارة، التي تأتي في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، تُشكّل محطة سياسية مفصلية تعوّل عليها السلطة في لبنان لإعادة طرح أولوياتها أمام الإدارة الأميركية، وسط تساؤلات عن مدى قدرتها على تحقيق اختراق فعلي في الملفات الأكثر إلحاحاً، في مقابل تشكيك داخلي بجدواها وبالمسار الذي تنتهجه السلطة في إدارة العلاقة مع الولايات المتحدة والملف الإسرائيلي.
وبحسب مصادر مطلعة في قصر بعبدا، فإن الزيارة تحظى بأهمية بالغة، باعتبارها فرصة لإعادة تثبيت موقع لبنان على طاولة الاهتمام الدولي، في ظل المتغيرات الإقليمية المتسارعة. وتؤكد المصادر أن الرئيس عون سيحمل إلى المسؤولين الأميركيين رؤية لبنانية واضحة تنطلق من مجموعة أولويات لا تحتمل التأجيل، وفي مقدمتها تثبيت وقف إطلاق النار، وضمان الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية، والعمل على إعادة الأسرى، إلى جانب تأمين الدعم للمؤسسة العسكرية والدولة اللبنانية ومؤسساتها.
وتضيف المصادر أن رئيس الجمهورية سيشدد خلال لقاءاته على تمسك لبنان الكامل بسيادته ورفض أي مساس بها، وسيطالب الدول الصديقة والداعمة بممارسة الضغوط اللازمة على إسرائيل لتنفيذ التزاماتها، بالتوازي مع استمرار دعم الجيش اللبناني، باعتباره الركيزة الأساسية لبسط سلطة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية وتعزيز الاستقرار الداخلي.
في المقابل، تنظر مصادر في حزب الله إلى الزيارة من زاوية مختلفة، معتبرة، رداً على سؤال حول سبب عدم منح الرئيس عون فرصة، أن “المسألة ليست أننا لا نعطيه فرصة، بل هو من لم يعطِ لنفسه ولا للبلاد فرصة الوصول إلى توافق داخلي حول أولويات تعزز الموقف اللبناني”.
وتضيف المصادر أن الفرصة أُعطيت للرئيس منذ انتخابه، ولا سيما بعد اعتماد المسار الدبلوماسي لمعالجة الحرب مع إسرائيل والخلافات القائمة، إلا أن “السلطة خرجت تحت الضغط الأميركي عن هذا المسار”. وتعتبر أن الرئيس “ذهب من دون توافق داخلي إلى خيار المفاوضات المباشرة، في حين لم يكن هناك رفض للمفاوضات غير المباشرة”، معتبرة أن هذا التحول شكّل نقطة مفصلية في إدارة الملف. وتتابع المصادر أن السلطة “تبنّت ورقة توم باراك التي نسفت عملياً اتفاق عام 2024، ولم تبذل أي جهد لتحصيل الحقوق اللبنانية، بل سلكت مساراً تنازلياً وانحدارياً”. ورغم ذلك، تؤكد المصادر أنها لا تغلق الباب أمام أي فرصة يمكن أن تحقق مصلحة لبنان، لكنها تشدد على أن أي مكسب لإسرائيل يجب ألا يكون مجانياً، ولن نقبل بتحقيق مصالح إسرائيلية من دون أن يحصل لبنان على حقوقه كاملة. وتعتبر أن الرئيس عون يدرك أن اتفاق الإطار حقق مصلحة إسرائيل، سالة: “هل تأتي هذه الزيارة مكافأة على ما قُدّم من تنازلات، أم أنها مقدمة للمطالبة بمزيد من التنازلات؟”.
وتضيف أن “لو كان المسار التفاوضي يُدار وفق الأولويات اللبنانية، لما جرى الاستعجال في توقيع أي ورقة قبل تحقيق المطالب الأساسية، وفي مقدمتها وقف فعلي وعاجل لإطلاق النار، والانسحاب الإسرائيلي الكامل، ومعالجة بقية الملفات العالقة”.
وبين الرهان الرسمي على أن تشكل زيارة واشنطن فرصة لإعادة تثبيت الحقوق اللبنانية وحشد الدعم الدولي، والقراءة المعارضة التي ترى فيها محطة قد تكرّس مساراً من التنازلات، تبقى نتائج الزيارة مرتبطة بما ستفضي إليه اللقاءات في العاصمة الأميركية، والأهم بمدى قدرتها على ترجمة المطالب اللبنانية إلى خطوات عملية، في مرحلة لم يعد فيها لبنان يحتمل المزيد من المراوحة أو الخسائر، وسط منطقة تعيش على وقع احتمالات مفتوحة يصعب التكهن بمسارها.
إقرأ أيضاً: "العفو العام" وطبخة النصاب: من سيدفع الثمن؟







