
واشنطن- "الصوت نيوز"
تثير تصحريات السفير الأميركي توم بارّاك في ما خصّ لبنان، الكثير من الجدل. تارة يعتبر أن لبنان الدولة صنعه الانتداب الفرنسي وفق صيغة فشلت بعد نحو مئة عام من إعلان دولة لبنان الكبير، وهذا الفشل سمح للطائفة الشيعية بالتحكم في لبنان طوال العقدين الماضيين، ومن ثم يحذر من إمكانية إعادة ضم لبنان إلى بلاد الشام، ووصولاً إلى موقفه الأخير المتمثل بالإعلان أن لبنان دولة فاشلة.
بناء عليه تعتبر مصادر أميركية متابعة لملف لبنان أنّ ثوابت الموقف الأميركي تجاه لبنان لم تتغير. وعليه تقول هذه المصادر:
أولاً: إن مواقف السفير بارّاك هي إلى حدّ مواقف شخصية تعكس آراءه في العديد من القضايا، ولا تعبّر بالضرورة عن الموقف الأميركي الرسمي من لبنان الذي أصبح موقفاً ثابتاً منذ عهد الرئيس جورج بوش الابن وتاريخ صدور القرار 1559 الذي كان بمثابة التحول الجذري بالتعامل الدولي مع لبنان لجهة الرفض أن يكون لبنان محكوماً من سوريا أو من أي جهة إقليمية. وتالياً أصبح هذا القرار الداعم الرئيسي لسيادة الدولة وبسط سلطتها على كامل أراضيها.
ثانياً: تجلى ثبات الموقف الأميركي تجاه الدولة في حجم المساعدات التي قدمتها الإدارات المتعاقبة أكانت جمهورية أم ديمقراطية للبنان، بين مساعدات أمنية وإنسانية، حيث إنه منذ حرب العام 2006، قدّمت حكومة الولايات المتحدة ما يزيد عن 3.5 مليار دولار كمساعدة في مجالات المساعدات الإنسانية وإعادة البناء والأمن.
يعكس هذا الدعم الأهمية التي توليها الولايات المتحدة لتحقيق التنمية المستدامة، وتوطيد مبدأ لبنان السيّد والمستقر والمزدهر والديمقراطي، وفي خضم الأزمة المالية التي تعاني منها أميركا وتخفيض أو حتى إلغاء المساعدات الخارجية جاء القرار الأميركي الأخير بتقديم مبلغ 230 مليون دولار للجيش ولقوات الأمن اللبنانية.
ثالثاً: تعمل إدارة دونالد ترامب على توطيد أسس الاستقرار في المنطقة من خلال إيجاد صيغ متفرقة لمعالجة نهائية لتداعيات الصراع العربي الإسرائيلي بعدما فشلت المحاولات السابقة أكانت عسكرية أم دبلوماسية في وضع حد لمجريات هذا الصراع.
وإذا كانت نهايات حرب غزة بالشكل الذي وصلت إليه والسعي الأميركي للمضي قدماً في اتفاق السلام في غزة، من خلال العمل في مجلس الأمن الدولي على تفويض لمدة عامين على الأقل لنشر قوة دولية لتحقيق الاستقرار في غزة، وهو عنصر أساسي في خطة الرئيس ترامب، فإن الجهود الأميركية على الجبهة اللبنانية تتركز على تنفيذ كامل بنود اتفاق تطبيق قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1701.
إذ يشكل هذا القرار إطار العمل الوحيد القابل للتطبيق من أجل الوصول إلى ترتيب أمني دائم لكل من لبنان وإسرائيل. وعليه فإن أميركا أبلغت لبنان عبر موفديها مباشرة ومن خلال الوسطاء ولا سيما الوسيط المصري أخيراً بأنها مصممة على العمل مع الشركاء والحلفاء لضمان حصول لبنان على الدعم اللازم ليستثمر هذه الفرصة ويعزز الأمن الداخلي والإقليمي.
رابعاً: من المبكر الحديث عن تطبيع أو اتفاق سلام بين لبنان وإسرائيل، وتتركز المساعي الحالية على بدء تفاوض لوضع ترتيبات أمنية ثابتة تضمن هدوءاً مستداماً ليس فقط على جبهة جنوب لبنان، بل يمتد إلى جبهة الجولان حيث العمل جار مع السلطات السورية الحالية على وضع مثل هذه الترتيبات.
وبالتالي تعتبر المصادر أن أي مفاوضات لبنانية إسرائيلية بهذا الخصوص ستخصص تحديداً لتثبيت نوايا كل من إسرائيل ولبنان من الغاية من التفاوض، ولا سيما لجهة حسم لبنان مسألة حصرية السلاح في جنوب الليطاني وتفكيك كل المواقع العسكرية، أو لجهة إظهار نوايا إسرائيلية حسنة على أرض الواقع تتمثل أولاً بوقف عمليات الاستهداف ومن ثم البدء بالانسحاب من النقاط التي تحتلها.
في أي حال تربط المصادر ذاتها بين نجاح خطة السلام في غزة والمضي قدماً بها على المستويين الإقليمي والدولي، وبين إمكانية تحقيق التقدم على المسارات الأخرى مع لبنان وسوريا. وتبدو المرحلة الحالية هي لتسجيل المواقف في انتظار أن تحسم الوقائع على الأرض مسار التسويات المنتظرة. فإما تنجح الجهود والوساطات في ترتيب الأوضاع على قاعدة التحاور الدبلوماسي والتفاوض، أو العودة إلى أجواء الحرب لفرض ما تكون قد عجزت عن تحقيقه اللغة الدبلوماسية.
إقرأ أيضاً: لبنان بين ناريْن: الحرب أو التفاوض المباشر







