
شاطر نبيه بري، محنّك، يلاعب السياسيين على أصابيعه. يغرقهم في فنجانه لو أراد، ويغريهم بالأرانب والسعادين والفئران التي يسحبها من كميّه حين يلزم الأمر. مصنع للأفكار والتوليفات، بمقدوره فعل ما يعجز كلهم عن فعله، من دون أن يرفّ له جفن. ظنّ كثر أنّ ولايته السابعة في رئاسة البرلمان ستكون الأخيرة، لأنهم لم يصدقوا أنّ بري لا يعتزل السياسة، وليس في وارد الاقدام على هذه الخطوة، إلّا بتدخل الهي!
مضحكٌ- مبكي كيف تعاطى رئيس المجلس مع الاستحقاق النيابي وكيف جارته الطبقة السياسية في لعبته. بالأحرى كيف جرّها إلى لعبته، لينتقل فجأة من ضفّة المطالب بالتمديد للبرلمان إلى ضفة الرافض. ليس رفضاً للرفض، وإنما لتحقيق المكسب والثمن.
انطلقت الجولة الأولى من المفاوضات من عند بري. حاول قدر الامكان التخلّص من اقتراع غير المقيمين من خلال إقفال أبواب المجلس أمام تعديل القانون، وهو ممرّ إلزامي للسماح للمغتربين بالتصويت في الخارج للـ128 نائباً لأنّ القانون القائم يقضي باستحداث ستة مقاعد للمغتربين ضمن دائرة جديدة تضاف إلى الدوائر الـ15... بالتوازي "تواطأت" الحكومة معه من خلال الامتناع عن وضع مراسيم تطبيقة للقانون النافذ لاستحداث المقاعد الستة.
بالنتيجة وقعت الانتخابات بين "شاقوفين": اقفال المجلس من جهة وتمنّع الحكومة من جهة ثانية عن وضع المرسيم بحجة عدم صلاحيتها. واذ باستششارة هيئة الاستشارات في وزارة العدل تخلط الأوراق من جديد: نافذة قانونية يمكن عبرها تجاوز عقدة الدائرة الـ16، فسارع برّي للانقضاض عليها بحجة تجاوز صلاحيات المجلس.
حتى أسابيع قليلة، كان بري يفاوض على تمديد تقني مقابل تعطيل تصويت المغتربين في الخارج ومن يرغب في المشاركة "فليتفضل إلى مسقط رأسه". ولكن حين تلمّس رغبة خارجية بتمديد للمجلس لا يقل عن سنة، قرر بري الانتقال من الدفاع إلى الهجوم: كان أول من سجّل ترشّحه للانتخابات، جازماً، حاسماً أنّ الانتخابات ستجري في موعدها، وفق القانون النافذ. ومن لديهم كلام آخر، فليقدم مشروع قانون للتمديد. كان يكفي تقديم أوراقه الثبوتية أمام وزارة الداخلية، ترشّحاً، للتأكد أنّ بري يصوّب على الانتخابات ليصيب التمديد.
هكذا نفض بري يده من التمديد، ليس كرهاً به، وإنما من باب فتح بازار التفاوض ودفع الأثمان. وها هو يرفع السقف عالياً متصدياً لمشاريع تأجيل الانتخابات، اذا لم يكن التمديد على توقيت ساعته: سنتان بالحدّ الأدنى وإلّا فلتجرِ الانتخابات في موعدها.
بري يريد التمديد أكثر من غيره. لكنه يتدلل. يعرف كيف يحوله من هدف له إلى هدف لغيره، ليبيعه في سوق هؤلاء ويقبض الثمن. هنا يتردد أنّ الثمن الذي يطلبه بري لكي يسير بالتمديد، لا يقلّ عن تعديل قانون الانتخابات!
إقرأ أيضاً: عكار: ثلاث لوائح سنية قيد التبلور







