
أظهرت تطوّرات الأيام الماضية واقعاً مسيحياً لم يعد بالإمكان حجبه، كرّسته أزمة طرد السفير الإيراني، ثم تولى لقاء معراب تظهيره بشكل أكبر. فعلياً، بات رئيس الجمهورية جوزاف عون يعتبر رئيس حزب" القوات اللبنانية" سمير جعجع، ووزير الخارجية يوسف رجّي، خصمين له في السياسة!
تتقاطع المعلومات عند واقع بات معروفاً لدى أهل البيت الحكومي. فجلسات مجلس الوزراء غالباً ما باتت تشهد على "خناقات" بين عون ووزراء "القوات"، يصل صداها أحياناً إلى خارج قاعة مجلس الوزراء. يبرّر القواتيون الأمر بما يرونه تقصيراً من رئيس الجمهورية والحكومة في وضع حدّ لمسألة نزع سلاح "الحزب"، ويراها عون في المقابل مزايدات مسيحية زادت عن حدّها، وباتت تهدّد التضامن الوزاري، وتضع خنجراً في خاصرة العهد.
آخر النماذج، اعتبار عون أنّ أزمة طرد السفير الإيراني ثلاثية الأبعاد، افتعلها رئيس الحكومة نواف سلام والوزير يوسف رجّي ومدير الشؤون السياسية في وزارة الخارجية، المحسوب على "القوات"، ابراهيم عساف بهدف "حَشر" عون ليأخذ قراراً بإبعاد السفير، بعد تحديد مهلة المغادرة، وهذا ما يُفسّر على الأرجح عدم صدور موقف واضح من بعبدا حتى الآن.
ثمّة قطبة مخفية في هذه المسألة، قد لا تجد الجواب لها حتى عين التينة. فالقريبون من الرئيس نبيه بري يعتبرون أن "الرئيس عون كان يعلم بالقدر الذي كان يمكّنه من منع وزير الخارجية من أخذ هذا القرار، إذ لا يمكن التصديق بأنّ قراراً بهذه الخطورة يتلقّاه رئيس الجمهورية على هاتفه"! في المقابل، ثمة تأكيدات من بعبدا بأنّ الرئيس لم يكن في صورة صدور القرار بالطرد، وإلا لكان منعه، لأنّه لم يكن هناك تدرّجاً بالخطوات من التنبيه والتحذير إلى التوبيخ ثم الطرد!
بغض النظر عن هذه القطبة المخفية، لا يتعامل عون مع مسألة القرار بالطرد، وتكثيف القواتيين تصريحاتهم لجهة التأكيد بأنّ قرار رجّي كان منسّقاً بالكامل مع عون وسلام، ثم الضغط عليه لـ"التنفيذ"، سوى فخاً قواتياً للإيقاع بعون وإحراجه، خصوصاً أنّ وقوف رئيس الجمهورية ضد القرار، والإيعاز للمعنيين بالتراجع عنه، سيرتّب نتائج سلبية لدى الأميركيين ودول الخليج.
ما استوقف بعبدا أيضاً مبادرة جعجع، قبل انعقاد الجلسة الأخيرة في السراي، إلى التأكيد بأنّ "أي تمرّد على القرار سيُواجه بإقفال السفارة الإيرانية، والدولة معنية بثبيت القرار عبر الإيعاز للأجهزة الأمنية بالتنفيذ".
"كِملِت الصورة" مع بيان معراب الذي فسّر في بعبدا بأنّه انقلاب ليس على "الحزب"، بل على العهد بسبب الأحمال الثقيلة التي روّج لها والتي قد تطيح العهد بأكمله. أزمة "المزايدات" بين بعبدا معراب تكاد تحرق المراكب بين الطرفين. ليس تفصيلاً صغيراً أن لا يُرصد في القصر الجمهوري، في غمرة الزيارات النيابية والوزارية الداعمة للرئيس عون في هذه المرحلة، أي من الصقور وغير الصقور المحيطين بجعجع، باستثناء النائب ملحم الرياشي الذي زار رئيس الجمهورية مؤخراً.
لا يبدو الأمر أقلّ توتراً على جبهة عون-سلام، وأنّ العلاقة بين الطرفين لا تزال محكومة بالتوازنات والتنسيق الدائم والاحترام المتبادل. أمس، عبّرت أوساط قريبة من بعبدا عن انزعاجها الواضح من تغريدة النائب مارك ضو، المقرّب من رئيس الحكومة، إذ قال في منشوره: "بقاء السفير الإيراني في لبنان بعد سحب اعتماده ليس تفصيلاً دبلوماسياً. إنه تحدٍ لرئيس الجمهورية المسؤول عن العلاقات الدولية وللدولة كلها. تحدٍ للجيش والقوى الأمنية إذا قرّر التحرك ضمن لبنان. تحدٍ للأمن العام، لأن أي أجنبي بلا صفة شرعية يصبح خارج الأصول القانونية. من هنا، لم يعد الأمر مسألة بروتوكول. أصبح سلاح حزب الله والسفير الإيراني معاً خارج القانون. والسؤال اليوم واضح ولا يحتمل التهرب: هل القرار في بعبدا ومع المؤسّسات الشرعية؟ أم في بئر حسن، تحت ظلال الحرس الثوري وبحماية حزب الله"؟
إقرأ أيضاً: هل تسقط حكومة نواف سلام؟







