
لم يكن ينقص الحياة السياسية الفرنسية سوى كتاب يفتح أبواب قصر الإليزيه على مصراعيها، ويحوّل العلاقة الأكثر إثارة للجدل في الجمهورية الخامسة إلى مادة سياسية وإعلامية دفعة واحدة. هذا ما فعله كتاب «زوجان (شبه) مثاليين» (Le Couple Presque Parfait) للصحافي الفرنسي فلوريان تارديف، الذي صدر حديثاً وأعاد تسليط الضوء على العلاقة بين الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وزوجته بريجيت ماكرون، ليس بوصفها قصة شخصية فقط، بل باعتبارها جزءاً من بنية الحكم داخل الإليزيه نفسه.
الكتاب، الذي أثار عاصفة من التعليقات في الإعلام الفرنسي، يحاول تفكيك صورة “الثنائي الرئاسي” التي جرى تسويقها منذ وصول ماكرون إلى السلطة عام 2017. فمنذ البداية، شكّلت علاقة ماكرون ببريجيت مادة استثنائية للرأي العام، سواء بسبب فارق العمر، أو بسبب قصة تعارفهما التي بدأت حين كان طالباً وهي مدرّسته. لكن المؤلف يذهب أبعد من السرد التقليدي، ليقدّم العلاقة على أنها شراكة سياسية ونفسية متشابكة، تجاوزت إطار الزواج إلى التأثير المباشر في صناعة القرار وفي إدارة الدائرة الضيقة المحيطة بالرئيس.
بحسب ما تسرّب من مضمون الكتاب، فإن بريجيت ماكرون لا تظهر كشخصية بروتوكولية أو “السيدة الأولى” بالمعنى التقليدي، بل كشخصية نافذة داخل الإليزيه، تمتلك رأياً حاسماً في اختيار المستشارين، وفي تقييم الوزراء، وحتى في رسم صورة الرئيس إعلامياً وشعبياً. ويصف المؤلف العلاقة بين الزوجين بأنها مزيج من التماسك الشديد والتوتر الدائم، حيث يتحول القرب المطلق أحياناً إلى مصدر احتكاك دائم داخل الحياة اليومية للرئيس الفرنسي.
غير أن أكثر ما أثار الجدل في الكتاب كان الحديث عن العلاقة التي قيل إنها نشأت بين ماكرون والممثلة الفرنسية-الإيرانية غولشيفته فراهاني. فالكتاب يتحدث عن تبادل رسائل خاصة بين الطرفين، ويشير إلى أن الرئيس الفرنسي أبدى إعجاباً واضحاً بالممثلة، وصولاً إلى عبارات وُصفت بأنها تحمل طابعاً عاطفياً. ورغم أن المؤلف يحرص على وصف العلاقة بأنها “أفلاطونية”، إلا أن مجرد إدخال هذا العنصر إلى حياة رئيس فرنسي كان كافياً لإشعال الإعلام ومواقع التواصل في فرنسا.
يذهب الكتاب أبعد من ذلك، حين يربط بين هذه الرسائل وبين حادثة “الصفعة” الشهيرة التي تعرّض لها ماكرون خلال زيارة إلى فيتنام عام 2025، وهي اللقطة التي انتشرت عالمياً بعدما بدا أن بريجيت دفعت وجه زوجها لحظة خروجهما من الطائرة. وبحسب الرواية الواردة في الكتاب، فإن التوتر انفجر بعدما اطّلعت بريجيت على الرسائل الموجودة على هاتف الرئيس، ما تسبب بخلاف حاد بينهما. إلا أن هذه الرواية بقيت موضع نفي من المقربين من الزوجين، كما نفت فراهاني نفسها وجود أي علاقة مع ماكرون.
لكن أهمية الكتاب لا تكمن فقط في الجانب الشخصي أو الفضائحي الذي جذب الإعلام، بل في كونه يعكس أزمة أعمق داخل صورة الرئاسة الفرنسية نفسها. فإيمانويل ماكرون، الذي بنى جزءاً كبيراً من صورته على فكرة الحداثة والسيطرة والانضباط، يجد نفسه اليوم أمام رواية مضادة تصوّر الإليزيه كمكان تحكمه الحساسية الشخصية والتوترات العائلية بقدر ما تحكمه الحسابات السياسية.
يبدو أن توقيت صدور الكتاب ليس بريئاً أيضاً، إذ يأتي في مرحلة تشهد فيها شعبية ماكرون تراجعاً واضحاً، وسط انتقادات داخلية متزايدة لطريقة حكمه ولشخصية الرئيس التي يعتبرها خصومه “منفصلة عن الشارع الفرنسي”. لذلك تحوّل الكتاب سريعاً إلى مادة سياسية بامتياز، تستخدمها المعارضة لإظهار هشاشة صورة الرئيس، فيما يحاول معسكر ماكرون التقليل من أهميته واعتباره مجرد عمل تجاري يستفيد من الفضول العام.
في النهاية، لا يقدّم «زوجان (شبه) مثاليين» مجرد حكاية عن زواج غير تقليدي في قصر الإليزيه، بل يطرح سؤالاً أكثر حساسية: إلى أي حد يمكن للحياة الشخصية لرئيس الجمهورية أن تتحول إلى عنصر مؤثر في صناعة السلطة نفسها؟
إقرأ أيضاً: ترامب وبوتين في الصين في أسبوع واحد… وهذه هي الفوارق







