
تحولت فنزويلا خلال أيام قليلة إلى مسرح لإحدى أكبر الكوارث الطبيعية في تاريخها الحديث، بعدما ضربها زلزالان قويان بلغت شدتهما 7.2 و7.5 درجات، بفارق أقل من دقيقة بينهما، ما أدى إلى انهيارات واسعة في المباني والبنية التحتية، وأطلق سباقاً مع الزمن لإنقاذ آلاف العالقين تحت الأنقاض.
بحسب أحدث الحصيلة، تجاوز عدد القتلى 1,400 شخص، فيما أصيب أكثر من 3,200 آخرين، ولا يزال عشرات الآلاف في عداد المفقودين أو غير المعروف مصيرهم، في وقت تواصل فيه فرق الإنقاذ المحلية والدولية عمليات البحث وسط ظروف بالغة الصعوبة، مع استمرار الهزات الارتدادية وتراجع الآمال في العثور على ناجين مع انقضاء الساعات الحرجة الأولى بعد الكارثة.
تركز الدمار في ولايتي لا غوايرا والعاصمة كاراكاس، حيث انهارت مئات المباني السكنية والإدارية، وتعرضت طرق وجسور ومرافق حيوية لأضرار جسيمة، كما تعطلت حركة المطار الدولي وشبكات الكهرباء والاتصالات في عدد من المناطق. وقدرت الأمم المتحدة الخسائر الاقتصادية الأولية بنحو 6.7 مليارات دولار، أي ما يعادل نحو 6% من الناتج المحلي الإجمالي لفنزويلا، وهو رقم يعكس حجم الضربة التي تلقاها بلد يعاني أصلاً أزمات اقتصادية ومعيشية خانقة.
دفعت الكارثة المجتمع الدولي إلى التحرك سريعاً، إذ وصلت فرق إنقاذ ومساعدات إنسانية من عدة دول، بينها الولايات المتحدة والمكسيك والبرازيل وفرنسا، فيما أعلنت منظمات الأمم المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر إطلاق عمليات إغاثة واسعة لتوفير المأوى والغذاء والرعاية الصحية للمتضررين.
لكن هذه المأساة لم تكن حدثاً معزولاً، إذ تقع فنزويلا ضمن واحدة من أكثر المناطق نشاطاً زلزالياً في شمال أميركا الجنوبية، نتيجة التقاء الصفيحة الكاريبية مع صفيحة أميركا الجنوبية عبر شبكة من الصدوع النشطة، أبرزها صدع سان سيباستيان، الذي يُعد من أهم مصادر النشاط الزلزالي في البلاد..
يحمل التاريخ الفنزويلي سجلاً طويلاً من الزلازل المدمرة. ففي عام 1812 ضرب زلزال عنيف العاصمة كاراكاس ومدناً أخرى، وتراوح عدد ضحاياه بين 15 ألفاً و20 ألف شخص، ويعد من أسوأ الكوارث الطبيعية في تاريخ البلاد. أما في عام 1900 فقد أدى زلزال بقوة 7.6 درجات إلى مقتل أكثر من مئة شخص وألحق أضراراً واسعة بالمناطق الساحلية. وفي عام 1967، شهدت كاراكاس زلزالاً بقوة 6.6 درجات أودى بحياة نحو 300 شخص أصاب أكثر من 1,500 آخرين، بينما أسفر زلزال 1997 في ولاية سوكري عن مقتل 81 شخصاً وإصابة المئات. كما تعرضت البلاد عام 2018 لزلزال بلغت قوته 7.3 درجات، لكنه تسبب بخسائر بشرية ومادية أقل مقارنة بالكوارث السابقة.
مع استمرار عمليات الإنقاذ، تتجه الأنظار إلى المرحلة التالية، وهي إعادة الإعمار، التي ستكون من أصعب التحديات التي تواجهها فنزويلا في ظل أوضاعها الاقتصادية الصعبة. وبينما تتواصل جهود البحث عن ناجين، يبقى الزلزال الأخير تذكيراً قاسياً بأن البلاد، الواقعة على أحد أكثر الأحزمة الزلزالية نشاطاً في العالم، ستظل معرضة لمخاطر مماثلة ما لم تُعزز معايير البناء وتُطور خطط الاستجابة للكوارث.
إقرأ أيضاً: انخفض الذهب ورقياً… لكنه لم يهبط فعلياً!







