بالريشة

للناتو… نساء على خطوط المواجهة

على مدى العقود الماضية، شهد حلف شمال الأطلسي (الناتو) تحولاً تدريجياً لافتاً في طبيعة قيادته السياسية؛ إذ لم تعد غرف اتخاذ القرار حكراً على الرجال، بل برزت النساء كلاعبات رئيسيات في توجيه السياسات الدفاعية والأمنية للدول الأعضاء.

تضم خارطة القيادة في حلف الناتو أسماءً نسائية بارزة تولت أو تتولى منصب رئاسة الوزراء، ويقدمن نموذجاً حياً للقيادة الحازمة؛ ومن أبرز هذه النماذج:

*جورجيا ميلوني (إيطاليا): تقود واحدة من أهم القوى العسكرية والاقتصادية في جنوب أوروبا. ورغم خلفيتها السياسية المحافظة، حافظت على التزام إيطاليا الصارم تجاه الحلف ودعم الحلفاء الشركاء.

* ميت فريدريكسن (الدنمارك): تدير حكومة بلادها بملف دفاعي قوي، برزت كإحدى الأصوات الداعية لتعزيز القدرات العسكرية للناتو وتحديثها.

*إيفيكا سيلينا (لاتفيا): تقود بلادها في منطقة البلطيق ذات الحساسية الجيوسياسية العالية، متبنيةً سياسات أمنية صارمة لتعزيز جبهة الدفاع الشرقية للحلف.

*سانّا مارين (فنلندا - سابقاً): قادت بلادها تاريخياً للتخلي عن حيادها الطويل والانضمام رسمياً إلى الناتو في عام 2023 عقب الغزو الروسي لأوكرانيا، مجسدةً أسرع تحول استراتيجي في تاريخ الحلف الحديث.

لم تكن مشاركة المرأة في قمم الناتو مشاركة بروتوكولية، بل اتسمت بفاعلية عملية وضعت بصمتها على ثلاثة محاور أساسية:

1. الحزم والردع الاستراتيجي: دحضت رئيسات الوزراء الصورة النمطية التي تربط القيادة النسائية باللين في المسائل العسكرية. فقد أظهرت قيادات مثل سانّا مارين في فنلندا أو كايا كالاس (رئيسة وزراء إستونيا السابقة) حزماً استثنائياً في مواجهة التهديدات الخارجية، ودفعن نحو زيادة ميزانيات الدفاع الوطني لتتجاوز النسبة المستهدفة من الناتو (2% من الناتج المحلي الإجمالي).

2. إدارة الأزمات والمرونة التكتيكية: أثبتت الدراسات والتقارير داخل الناتو أن الحكومات التي تقودها نساء تُظهر مرونة عالية في دمج "الأمن الصلب" (المعدات والجيوش) مع "الأمن الناعم". ويتجلى ذلك في قدرتهن على التعامل مع الحروب السيبرانية، والتهديدات الهجينة، وأمن الطاقة، وحماية البنية التحتية الحيوية، وهي ملفات باتت جوهر مفهوم الدفاع الحديث للحلف.

3. تعزيز التماسك والتحالفات: تميزت القيادات النسائية بقدرة دبلوماسية واضحة على بناء التوافق وتقريب وجهات النظر بين الأعضاء، وهو أمر حيوي داخل حلف يعتمد على الإجماع في اتخاذ القرار.

تنعكس فاعلية رئيسات الوزراء أيضاً في دعمهن المؤسسي لسياسات الحلف الداخلية؛ حيث يمثل وجودهن قوة دافعة لتطبيق أجندة الأمم المتحدة "المرأة والسلام والأمن" داخل الهياكل العسكرية للناتو. ويسهم هذا التوجه في زيادة نسبة النساء في القوات المسلحة الوطنية وفي البعثات الميدانية، بناءً على عقيدة عسكرية تؤكد أن تنوع القيادة يعزز الوعي بالموقف الميداني ويؤدي إلى اتخاذ قرارات عملياتية أكثر شمولية ونجاحاً.

إن تجربة رئيسات الوزراء في حلف الناتو تؤكد أن فاعلية القيادة تكمن في الرؤية الشاملة والشجاعة السياسية. وفي عالم يشهد استقطاباً حاداً وصراعات متعددة الأبعاد، أثبتت هذه القيادات النسائية أن الإرادة السياسية والانضباط الاستراتيجي هما الركيزتان الأساسيتان لحماية الأمن الجماعي، مما يمهد الطريق لمزيد من التوازن الجندري في أعلى مناصب صنع القرار الدفاعي مستقبلاً.

إقرأ أيضاً: مصر تدشن "الأوكتاغون": القلعة العسكرية الأكبر في المنطقة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى