
عكست المواقف الإعلامية الأخيرة لرئيس مجلس النواب حيال السعودية "نَفَساً" متقدّماً في مقاربة أحد ركني الثنائي الشيعي، للعلاقة مع المملكة العربية السعودية. وذلك من خلال المحاور الاتية:
-اعتراف بري، على طريقته، بأنّ السعودية تحبّه. وقد قصد بذلك بأنّ المملكة هي الطرف الذي زكّى "سيرته الذاتية" لدى الرئيس الاميركي دونالد ترامب، ما دفعه إلى قول ما قاله... "ومن تحبّه المملكة السعوديّة يحبّه العالم كلّه، ويبدو أنّ المملكة السعوديّة تحبّني أكثر من بعض اللبنانيّين".
-إعادة بري تكرار حاجة لبنان إلى "ضمانة ثلاثيّة تتألّف من المملكة العربيّة السعوديّة، الولايات المتّحدة الأميركيّة، وإيران"، وهو مسار، يعتقد الثنائي الشيعي، أنّه لحظ تقدمّاً، ليعود التصعيد العسكري الأميركي-الإيراني، ويعطّله.
-تأكيده أنّ علاقته مع المملكة العربية السعوديّة ثابتة، "وطوال حياتي السياسيّة لم تصدر منّي كلمة مسيئة بحقّ المملكة، لأنّني مؤمن بمحبّتها للبنان وحرصها عليه، ومحوريّة دورها في تثبيت الاستقرار الوطنيّ"، مشيراً إلى حصول "تواصل مكثّف في الفترة الأخيرة مع الإخوة في المملكة السعوديّة، بخاصّة مع الأمير يزيد بن فرحان، الذي أخبرني أنّهم يدعمون المسار الحاليّ ويحرصون على إنجاحه ومتابعته مع واشنطن".
-تأكيده على العلاقة "الممتازة" مع الرئيس عون "رغم الاختلاف في بعض وجهات النظر السياسية".
في كافة هذه المحاور، من دون استثناء، كان بري يدلّل، بشكل غير مباشر، على حجم التباعد مع حليفه "حزب الله". الأخير يملك مقاربة مختلفة تماماً حيال السعودية، وإن كان يؤيّد المعادلة الثلاثية لحلّ أزمة المنطقة ولبنان، ضمن سياق الغطاء الإيراني لها. كما أنّ "الحزب" يهاجم علناً، وبقوة، مسار التفاوض المباشر، و"يُشيطن" اتفاق الإطار، و"التنازلات من جانب السلطة الأقرب إلى الاستسلام"، ويرى أنّ المنطقة التجريبية الأولى هي نتيجة بديهية لهذه التنازلات.
لعل آخر مواقف "الحزب" تشرح أكثر الصورة. بالتزامن مع كلام بري كان نواف الموسوي يرفع السقف عالياً جداً: "يعاني لبنان من مرض "الشقيقة" (السعودية). والسلطة في لبنان تنفّذ إملاءات من جانب مدير الملف اللبناني (يزيد من فرحان). نحن فعلياً أمام عملية سطو"، مقدّماً نموذجاً عن مدّعي عام التمييز أحمد رامي الحاج الذي يلاحق الصحافي حسن عليق، بتهمة تعكير صفو العلاقات مع المملكة العربية السعودية. وقال الموسوي: "كل سلطة تنزلق نحو الاستبداد تقرأ فاتحتها بسرعة".
لم يعد من أدنى شك حول المسافة السياسية الكبيرة التي باتت تفرّق بين بري و"حزب الله". من حرب إسناد غزة عام 2023 إلى حرب إسناد إيران آذار 2026. اختلافا تقريباً على كل شئ، بما في ذلك التصويت في مجلس الوزراء بما يخصّ القرارات المرتبطة بنزع السلاح، وميل بري إلى تأمين الغطاء الكامل لأداء رئيس الجمهورية، حتى مع وصفه اتفاق الإطار بالفتنة، ورغم كل التحفّظات على مسار التفاوض، واعتباره، في مجالسه الخاصة، أنّ "الحزب" قاد، بحروبه، لبنان إلى التدمير، وخسارة الجنوب لفترة زمنية قد تطول.
مع ذلك، القرار الشيعي واضح وثابت. التحالف لن تهزّه أي عاصفة. أكثر من ذلك، يقول القريبون من بري إنّ هناك توافقاً كاملاً مع "الحزب" باعتبار "صورة" التفاوض المباشر مع إسرائيل، ثم "صورة" الرئيس جوزاف عون في المكتب البيضاوي في واشنطن، لن يأخذ منها لبنان، بشقّه الرسمي، سوى الصورة فقط. والدليل أن بري عاجل العائدين من واشنطن بالتأكيد أن الولايات المتحدة الأميركية لم تمنح لبنان لبّ مطالبه: وقف نهائي لإطلاق النار، والانسحاب النهائي من لبنان.
أكثر من ذلك يتفق الطرفان على أنّ هناك آلة إعلامية روّجت لمناخات مُبالغ فيها، عن تعهّد ترامب بالضغط لضبط أداء رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وقوله لعون "قلّ لي فقط ماذا تريد، وسأفعله"، وتجاوب الرئيس الأميركي مع مطلب المناطق التجريبية التي تشمل بلدات محتلّة في المنطقة الأمنية"، وعدم ربط الأميركي بين الانسحاب الإسرائيلي ومطلب نزع السلاح...
مجمل هذه التسريبات، بتأكيد الثنائي الشيعي، لا أرضية واقعية لها. أبعد من ذلك، تجزم مصادرهما: "الاتفاق لن يطبّق، وسيسقط تلقائياً، لأن ألغامه "منه وفيه". لذلك تختلف النبرة بين بري و"الحزب". الأول يحتوي والثاني يُدلّل على مساوئ هذا المسار بالتفصيل"، لكن من دون أن يصل الأمر إلى حدّ إسقاط الاتفاق بالشارع أو في الحكومة.
إقرأ أيضاً: ماذا يفعل جو الصديّ في الكهرباء؟




