
لم يكن دخول الجيش الإسرائيلي إلى مرتفعات علي الطاهر، في قضاء النبطية، مجرد عملية عسكرية تستهدف موقعاً تابعاً لـ«حزب الله»، بل يمثل تطوراً ذا دلالة استراتيجية في مسار الصراع على جنوب لبنان. فهذه المرتفعات، التي ترتفع نحو 600 متر عن سطح البحر، تشرف على مساحة واسعة من المنطقة المحيطة بالنبطية ونهر الليطاني، وتربط جغرافياً بين مناطق الجنوب وإقليم التفاح، ما يجعلها نقطة مرتفعة ذات قيمة ميدانية تتجاوز مساحتها الجغرافية المحدودة.
أهمية علي الطاهر بالنسبة إلى إسرائيل تبدأ من السيطرة على الأرض المرتفعة. ففي الحرب البرية، لا تكمن قيمة المرتفع في كونه موقعاً يصعب الوصول إليه فحسب، بل في قدرته على فرض ميزان مراقبة ونيران على المناطق المحيطة. ومن هذه الزاوية، فإن تثبيت القوات الإسرائيلية في علي الطاهر يتيح لها مراقبة محاور الحركة في نطاق واسع، ويصعّب إعادة إنشاء مواقع عسكرية أو لوجستية لـ«الحزب» في المنطقة.
تكتسب المسألة أهمية أكبر بسبب موقع المرتفعات بين عدد من البلدات وقربها من النبطية والليطاني. وبحسب مصادر تحدثت إلى «رويترز»، يُعتقد أن «الحزب» أقام بنية تحت الأرض في المنطقة تضم مراكز قيادة ومستودعات أسلحة، فيما قالت إسرائيل إن قواتها تمكنت من الوصول إلى الأنفاق وتطهيرها من المقاتلين.
لكن البعد الأكثر أهمية هو أن إسرائيل لا تتعامل مع علي الطاهر كموقع منفصل، بل كجزء من تصور أوسع لمنطقة أمنية داخل الأراضي اللبنانية. فقد قال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إن السيطرة على المرتفعات استكملت مرحلة تثبيت السيطرة على المنطقة الأمنية في جنوب لبنان، مؤكداً أن إسرائيل لن تنسحب منها قبل نزع سلاح «الحزب» وإزالة التهديد عن سكان الجليل.
هنا يتحول علي الطاهر من هدف عسكري إلى ورقة تفاوضية. فالمعركة حول المرتفع تجري بالتوازي مع المسار الدبلوماسي بين لبنان وإسرائيل، فيما بقيت مسألة الانسحاب الإسرائيلي ونزع سلاح «الحزب» من أبرز العقد التي تعطل تطبيق التفاهمات. وكانت واشنطن قد طرحت، بحسب مصادر مرتبطة بالمفاوضات، أن يتولى الجيش اللبناني السيطرة على المرتفع، لكن الاقتراح اصطدم برفض «الحزب»، ما جعل الموقع نقطة تقاطع بين الميدان والتفاوض.
من الناحية العسكرية، لا يعني احتلال القمة وحده السيطرة الكاملة والدائمة على المنطقة. فالمشكلة الحقيقية بالنسبة إلى إسرائيل هي منع إعادة بناء البنية العسكرية تحت الأرض وحماية خطوط الإمداد المؤدية إليها. ولذلك لا تقتصر العملية على السيطرة على سطح المرتفعات، بل تشمل تفكيك الأنفاق والتحصينات والبنية اللوجستية، ثم إبقاء قوة قادرة على منع إعادة الانتشار.
الأهم أنّ ما يجري في علي الطاهر قد يشكل نموذجاً لما تريده إسرائيل من جنوب لبنان: ليس فقط إبعاد «الحزب» عن الحدود، بل إقامة حزام أمني أعمق داخل الأراضي اللبنانية، تكون فيه المرتفعات والمواقع المسيطرة أدوات لمنع عودة التنظيم إلى المنطقة. وهذا يفسر لماذا أصبح المرتفع أحد أكثر النقاط حساسية في المفاوضات الحالية.
إقرأ أيضاً: مصير اليونيفيل… تحت مقصلة الفيتو الأميركي







