قصة كبيرة

اليوم الثاني لزيارة البابا: الكنيسة… في صورة

لم يكن اليوم الثاني الذي أمضاه البابا لاوون في لبنان يوماً عادياً في ذاكرة هذا البلد المُتعَب. بدا وكأنه يحمل معه شيئاً من الطمأنينة التي افتقدها اللبنانيون، وقطرة رجاء تسعى لاختراق طبقات اليأس التي تراكمت في سنوات الأزمة. أربع محطات كادت تُعيد الشعور بأن لبنان ما زال يملك ما يستحق أن يُعاش من أجله.

في عنايا، حيث الصمت يُشبه صلاة طويلة، بدت زيارة البابا كأنها عودة إلى قلب لبنان الحقيقي. هناك، عند ضريح القديس شربل، لم يكن المشهد مجرد محطة روحية، بل لحظة احتضان. كثيرون شعروا أن البابا كان يصلّي معهم ولأجلهم، وكأنه يرفع أثقال هذا الشعب إلى السماء. في تلك اللحظة، بدا المكان كلّه كأنه يهمس: ما زال في هذا البلد نور، وما زالت البركة التي انطلقت من قديسيه قادرة على مداواة الوجع. وهناك سجد البابا أمام ضريح مار شربل في خطوة تؤكّد أن صوت الصلاة ما زال أقوى من ضجيج العالم.

ثم كانت المحطة الثانية في حريصا، حيث ترتفع سيدة لبنان. كانت موعداً روحياً واسعاً جمع الأساقفة والكهنة والراهبات والمكرّسين والعلمانيين العاملين في الحقل الراعوي، حيث قدّم الوردة الذهبية للسيدة العذراء. هذه الوردة ليست مجرد هدية فاتيكانية تاريخية، بل علامة تقدير نادرة، تُمنح في العادة للأماكن التي تحمل معنى روحياً متجذراً وتأثيراً على المؤمنين.
المحطة الثالثة كانت في ساحة الشهداء حيث عقد اللقاء المسكوني المسيحي- الإسلامي. اختيار البابا لساحة الشهداء مكاناً لهذا اللقاء لم يكن خطوة عابرة. فهذه الساحة تجمع تاريخ لبنان كلّه: ألمه، تمرّده، صراعه على هويته، ومحاولاته المتكررة للنهوض. وفي قلبها تماماً، أراد البابا أن يقول إن وحدة اللبنانيين تبدأ من هنا، من مساحة مفتوحة لا يظلّلها إلا الهواء الحرّ، حيث يقف الجميع على الأرض نفسها بلا حواجز.
لكن أكثر المحطات نبضاً كانت لقاء الشباب. هنا، لم يعد الحديث عن التاريخ أو التراث أو الماضي. هنا كان المستقبل يجلس في الصفوف الأمامية، بعيون فيها قلق وفيها أيضاً شرارة حياة. في كلمات البابا إليهم، ظهر بوضوح أنه يعرف حجم الخوف الذي يحمله هذا الجيل، ويعرف أيضاً شغفه. تحدث إليهم كمن يعترف بوجعهم دون أن يستسلم له، وتوّجه إليهم بالقول: "المستقبل بين أيديكم ولديكم فرصة تاريخيّة لتغيير المستقبل والحبّ قادر على معالجة جروح الجميع ومباركون من يحملون السلام ويصنعونه وهؤلاء هم أبناء الله… لبنان سيزدهر مجدداً بشكل جميل وشامخ كالأرزة ونجد الكثير من الميزات في المجتمع اللبناني نتيجة العمل الشجاع والدؤوب للكثيرين ممّن يشبهون جذور الأرزة المترسخة في الأرض". بدا اللقاء كنافذة هواء جديدة، يدخل منها ضوء يشبه صباحاً جديداً لم يأتِ بعد، لكنه قيد الوصول.

في نهاية هذا اليوم، لم يترك البابا رسالة سياسية ولا بيانات كبرى، بل ترك شيئاً أبسط وأعمق: إحساساً بأن لبنان ما زال قادراً أن ينهض حين تستيقظ روحه، وتتوحّد كلمته، ويستعيد شبابه إيمانه بأن الغد يستحق الانتظار…

إقرأ أيضاً: أتى الحبر الأعظم... هل الآتي أعظم؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى