
لم تنفع كل النقاشات الداخلية الصامتة، والأخذ والردّ في الأسماء، ومحاولات جهات رئاسية فرض "مرجعيتها" على جهات رئاسية أخرى، في بتّ إسم مدّعي عام التمييز الذي سيخلف القاضي جمال الحجار عشية إحالته إلى التقاعد غداً السبت. كانت جلسة مجلس الوزراء يوم الخميس الفرصة الأخيرة لبتّ التعيين، قبل أن يُجيّر رأس النيابة العامّة التمييزية للقاضي بيار فرنسيس، بالتكليف، بوصفه الأكبر سنّاً والأعلى درجة بين القضاة في النيابة العامّة التمييزية، والذي يحال إلى التقاعد في تموز 2027.
الخلاف السياسي حول إسم خليفة القاضي الحجار الذي طفا إلى الواجهة بين رئيسيّ الجمهورية والحكومة ووزير العدل، مَنَع التوافق من أن يسلك دربه إلى مجلس الوزراء، مع العلم أن وزير العدل تغيّب عن الجلسة بداعي السفر إلى بروكسل.
يقول مطلعون إنّ رئيس الحكومة نواف سلام، الذي غادر إلى العاصمة الفرنسية قبل أن يتمّ التوافق على الإسم، بدا كمن يحاول أن يُعوّض ما فاته من حصة في التعيينات في بداية العهد، حيث كان لرئيس الجمهورية اليد الطولى فيها، وفي مواقع بالغة الحساسية. فبادر بخطوة منفردة إلى استدعاء عدد من القضاة السنّة إلى السراي للاستماع لهم و"اختبار" مؤهلاتهم، بغض النظر عن درجاتهم وهو عامل يلعب دوراً مؤثّراً وليس حاسماً في اختيار القاضي، تماماً كما في السلك العسكري.
بخلاف ما تسرّب لم يكن القاضي أسامة منيمنة (عضو المجلس العدلي ورئيس غرفة في محكمة التمييز- من بيروت) الإسم الوحيد الذي تمسّك به رئيس الحكومة، بل كانت هناك مروحة خياراته أوسع، ومع ذلك لم يلتق على إسم مع رئيس الجمهورية جوزاف عون الذي كان يفضّل رئيس محكمة الجنايات في الشمال القاضي ربيع حسامي (من بيروت)، ويلتقي بهذا الخيار مع رئيس مجلس النواب نبيه بري، إضافة إلى قاضٍ آخر.
اختيار قاضٍ من بيروت يمكن أن يُصنّفه رئيس الحكومة ضمن إنجازاته، خصوصاً أنّ أغلب المواقع السنّية في التعيينات الأخيرة ذهبت إلى أبناء إقليم الخروب، بما في ذلك تعيين وزير الداخلية أحمد الحجار، لكن سلام لا يريد أن يحصل الأمر على قاعدة "يقترح رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة بيمشي".
في المقابل، وزير العدل عادل نصّار المفترض أن يذهب إلى مجلس الوزراء بثلاثة أسماء، لا يُحبّذ أن يكون ربيع حسامي من ضمنهم، مع العلم أن علاقة حزب الكتائب الذي سمى وزير العدل، ممتازة مع رئيس الجمهورية.
لا يمكن التقليل هنا من أهمية رأي رئيس مجلس القضاء الأعلى القاضي سهيل عبود في اختيار مدّعي عام التمييز، لكن الكلمة الأخيرة ستكون للتوافق بين الرئاستين الأولى والثالثة، من دون تغييب رأي الرئيس بري. يُذكر أن القاضي عبود يحال إلى التقاعد في حزيران 2027، وسيكون العهد أمام اختبار أصعب هو تعيين رئيس مجلس القضاء الأعلى.
حتى موعد انعقاد الجلسة أمس كانت البورصة لا تزال تتداول أسماء القضاة منيمنة، حسامي، قاضي التحقيق العسكري القاضي آلاء الخطيب (محقق عدلي في قضية تفجير المسجدين في طرابلس)، المحامي العام التمييزي القاضي محمد صعب، المحامي العام التمييزي القاضي رامي الحاج، القاضي وائل الحسن، وجميع هؤلاء درجاتهم في السلك أقلّ من القاضي أسامة منيمنة.
الجلسة التي أُدرِج على جدول أعمالها خمسة بنود، بينها شؤون وظيفية تتضمّن تعيين مدير عام للنفط (لم يتمّ الاتفاق على تعيينه)، كان يُفترض أن يطرح بند تعيين مدّعي عام تمييز من خارج جدول الأعمال، لكن الخلاف السياسي حال دون ذلك.
بالتأكيد يكتسب التعيين في هذه المرحلة أهمية استثنائية مرتبطة أولاً بالمطالعة المفترض أن تنجزها النيابة العامّة التمييزية في ما يتعلّق بانفجار مرفأ بيروت، والتي ستشكّل مدخلاً للخطوة الأخيرة من جانب المحقّق العدلي القاضي طارق البيطار بإصدار القرار الظني في قضية انفجار مرفأ بيروت. وثانياً، ربطاً بتنفيذ قرارات الحكومة في ما يتعلّق بحصرية السلاح، ونزع السلاح في كل المناطق، وآخرها قرار مدينة بيروت منزوعة السلاح.
إقرأ أيضاً: تمديد الهدنة… تثبيتٌ للاحتلال؟







