
بعد يوم ظهر يوم السبت، وبينما كانت أنظار اللبنانيين مشدودة إلى الجنوب، ومن خلفه إسلام آباد بحثاً عن طرف خيط يقودهم إلى خلاصة واضحة، تساعدهم على الاستدلال إلى مصيرهم، صار "أبو علي" فجأة هو القضية، ليس تضامناً معه أو تعاطفاً له، ولا تأييداً لجهاز أمن الدولة، ولكن خشيةً من أن تصدق المخاوف، وتندلع شرارة الفتنة الداخلية.
غريبٌ أمر اللبنانيين، جميعاً. بثوان قليلة يعودون قبائل، أو بالأحرى يثبتون أنّهم قبائل طائفية، لا شيء يجمعهم سوى صرخة تلعب على الوتر الطائفي، فينسون مآسيهم وويلاتهم ووجعهم وهمومهم، ويلتقون حول مسألة أو قضية، فقط لأنّ عنوانها طائفي.
يوم السبت، صار أبو علي عيتاني قضية أهالي ساقية الجنزير ومن خلفها الشارع السني برمته، فقط لأنّ ضابطاً، صودف أنه من الطائفة الشيعية، قرر استعراض قوته في المنطقة لجلبه إلى التحقيق. لم تعد أسباب استدعاء أبو علي ذا أهمية. تناسى أهالي المنطقة، أنّ في نهاية كل شهر، يتعرض "أبو علي" لسيل من السباب والشتائم لأن فاتورة اشتراك المولد الكهربائي تحرق الجيوب، وتجاهلوا واقع أنّ خدمات "أبو علي" تغطي غياب الدولة وتقديماتها، وأنّه "يتعدى" على شركة كهرباء لبنان ودورها… رموا هموم نهاية كل شهر وراءهم، وأنّهم هم بأنفسهم، كما كل اللبنانيين، يلقبون "أبو علي" و"رفاقه" بـ"مافيا الموتورات"… وقرروا صبّ غضبهم على جهاز أمن الدولة.
طبعاً، لا يمكن الدفاع عما قام به هذا الضابط الذي قرر اقتحام المنطقة عبر فرقة من "الملثمين" والمدججين بالأسلحة، وكأنهم يداهمون "لا كاتدرال" بحثاً عن بابلو اسكوبار، ولا يمكن السكوت عن مشهدية اطلاق الرصاص وسط المنازل الآمنية، التي انتهت بهروب المطلوب عبر دراجته النارية، التي تستخدم عادة في توصيلات "الديليفيري"!!
فعلاً، مشهد مضحك مبكٍ! مداهمة "تدق لها الزفة"، ورصاص يلعلع وسط العاصمة، والمطلوب وهو صاحب مولد كهربائي، هرب من بين أصابع القوى الأمنية. فيما بقيت مسألة الإشارة القضائية، موضع تكهن: هل هناك حقاً إشارة قضائية أم لا ؟ لا جواب مقنعاً أو حاسماً.
انتهى الفيلم البوليسي، على طريقة تبويس اللحى. تجاوز الجميع، سلطة وناساً، أسباب هذه المشهدية، وركزوا اهتمامهم على الشارع لكيفية التهدئة من روع السنّة بعدما نزلوا إلى الشارع وقطعوا الطرقات تنديداً بما حصل. الأكيد أنّ الكثيرين ممن قصدوا الشارع وأحرقوا الدواليب لا يعرفون "أبو علي" ولا سيرته ولا "شغلته"… كل ما همّهم هو أنّ بيروت "بخطر"! أي خطر؟ خطر مداهمة "مبالغ فيها" لملاحقة "صاحب موتور"… عاد في آخر الحفلة محمولاً على الأكف وكأنه الزعيم أو المنقذ؟
لكن أين القانون من كل هذا؟ كيف سنبني يوماً ما دولة؟ من أين نبدأ؟
ما جرى يوم السبت لم يكن إلا نموذجاً عن معادلة مختلة: دولة تحاول أن تثبت حضورها بأسلوب استعراضي، ومجتمع يردّ عليها برد فعل غريزي، فيتحول الحدث من مسألة قانونية إلى اشتباك هويات. وهنا، تضيع الحقيقة مرة جديدة، بين رصاص في الهواء وشعارات على الأرض. فالمشهد أعاد إنتاج فكرة أن القانون وجهة نظر، وأنّ الشارع هو الحكم النهائي.
من حق البيروتيين أن يعترضوا على أسلوب المداهمة وأن يسجلوا تحفظهم على تلك المشهدية الهوليودية، ولكن أن يجعلوا من شريك الدولة المضارب، بطلاً قومياً، نكاية بذلك الجهاز؟! فذلك يتجاوز حالة الاحتقان التي أظهرها الشارع بسبب التطورات... إلى ما هو أكثر تعقيداً وصعوبة!
إقرأ أيضاً: السعودية: حذار المسّ بالطائف!







