
تحاول السلطة أمام الرفض الإسرائيلي الحاسم بالانسحاب وتطبيق نموذج "المناطق التجريبية"، إنشاء مسار موازٍ يعوّض التعثر الدبلوماسي، المّعترف به رئاسياً وعلناً بالعجز عن دفع إسرائيل لوقف اعتداءاتها، وذلك من خلال "التردّد" إلى الجنوب في زيارات رسمية تحمل رسائل الدعم والوعد بـ"الأمن وإعادة الإعمار". بعد زيارة رئيس الجمهورية جوزاف عون إلى النبطية، حطّ رئيس الحكومة نواف سلام في المدينة، للمرة الثالثة، برسالة مختصرة "الدولة هنا".
راهناً يحضّر سلام للزيارة الرابعة، فيما النبطية الفوقا، الملاصقة لمدينة النبطية، وكل محيط المدينة، يتعرّض لاستهداف إسرائيلي يومي ونسف منازل، والنبطية الفوقا محتلّة بالنيران تماماً كما القرى المحيطة كزوطر الشرقية، وكفررمان، وكفرتبنيت.
فعلياً، يتردّد أركان الدولة إلى إحدى أكبر مدن الجنوب المزنّرة بأخطارإسرائيلية كبيرة، ليس أقلّها التسريبات المنظّمة عن خطة إسرائيلية للتقدّم باتجاه إقليم التفاح وتلال الريحان، وإبقاء زنار النار مشتعلاً حول النبطية، خصوصاً النبطية الفوقا، وكفرتبنيت، حماية لاحتلاله العسكري الثابت لزوطر الشرقية، شقيقة زوطر الغربية "المحرّر" جزء منها بفضل تطبيق النموذج الأول للمناطق التجريبية، إلى جانب فرون وصريفا غير المحتلّتين.
الرسالة السياسية الأهمّ التي حَملها الرئيس سلام جواباً، كما قال، على السؤال حول مدى توافر الضمانات لعدم عودة الحرب، في ظل المشاريع التي نطلقها، قائلاً: "قد لا يُعجِب البعض ما سأقوله، لكن الضمانة الحقيقية في أن نمضي في آن واحد، في حشد ما استطعنا من إمكانات ودعم لتحقيق الانسحاب، وإعادة بناء دولة قادرة وفاعلة، جيشها واحد، وقرار الحرب والسلم بيدها، كي لا نَجد أنفسنا مرة أخرى أمام حرب جديدة، أو ذرائع جديدة للاعتداء على لبنان، والتوسّع في الاحتلال".
كما أكد سلام أن "انتظار نتائج التسوية الكبرى، ليس خيار لبنان، لأنّها قد تأتي وقد لا تأتي، وقد تتأخّر سنوات، وإذا حصلت قد تأتي على حسابنا". لم يكد موكب رئيس الحكومة يعود إلى بيروت حتى كثّفت إسرائيل وتيرة إشعالها للجنوب، تفجيرات للمنازل وغارات، وتوسّعت لتشمل مجدداً النبطية الفوقا، على مسافة أمتار قليلة من المقار التي زارها الرئيس سلام.
يبدو خطاب الدولة واضحاً: سياسة الخطوة خطوة. الانسحاب ثم السلاح، أو بالتوازي. هنا تكمن كل العقدة، وتتبدى صورة مصغّرة عن مدى تأزّم الوضع السياسي والأمني والعسكري في كل لبنان، وليس الجنوب فقط. إذ أن الحكومة الحالية تبدو عاجزة أمام واقعين خطيرين:
-العجزعن الدفع باتّجاه قيام إسرائيل، ولو بخطوة انسحاب رمزية، ما يجعل الدولة في موقع محصناً أكثر حيال الطلب من "حزب الله" السير بخطة بسط سلطة الدولة، وتسليم سلاحه. وهو واقع مرجّح أن يطول كثيراً، ليس فقط لأن إسرائيل تجّهز جيشها لإقامة عسكرية في جنوب لبنان خلال فصل الشتاء، بل لأن الاحتلال الإسرائيلي بات أمراً واقعاً يستحيل تغييره في المرحلة الراهنة، من دون تسوية كبرى لا مؤشرات لتبلورها حتى الآن.
-تعاني الحكومة من عطب داخلي حاد بدأت مؤشّراته بالهزة التي أحدثتها القوات اللبنانية من خلال اعتكاف وزير الطاقة عن حضور جلسات مجلس الوزراء، ما سيطرح تساؤلات حول كيفية طرح بنود مرتبطة بوزارة الطاقة من دون وجود وزيرها، إلا إذا أرتأت الحكومة اعتبار الوزيرة تمارا الزين، وزيرة الطاقة بالوكالة عند غياب الأصيل، هي المتحدّثة باسم الوزارة.
إضافة إلى ذلك، هناك الأثقال الاجتماعية والمالية والاقتصادية والمعيشية التي ترزح تحتها الحكومة، حيث يتردّد على لسان وزير المال ياسين جابر عبارة واحدة: "ما في مصاري". كما أن هناك أصواتاً بارزة ومؤثّرة داخل الحكومة غير راضية عن أداء الحكومة، ومسار التفاوض، وتركيبة الوفد المفاوض. هنا يقول وزير بارز داخل الحكومة: "باستثناء السفير سيمون كرم، والعميد في الجيش اللبناني زياد رزق الله المتخصّص في شؤون القانون الدولي، نحن أمام هواة لا يفقهون معنى التفاوض ولا خبرة لهم إطلاقاً، على رأسهم سفيرة لبنان في واشنطن ندى حمادة معوض"، متّهماً الأخيرة "بنقل ما يريده الأميركيون إلى الوفد اللبناني للموافقة عليه"!
راهناً، تواجه الحكومة من داخلها معارضة واضحة لمقاربتها في التعاطي مع ملف إعادة الإعمار وتأمين الخدمات في النبطية والجنوب، فإلى جانب الرفض القواتي، من ضمن الأسباب التي تقف خلف اعتكاف وزير القوات جو الصدّي، لتحمّل شركة الكهرباء قرار الإعفاءات لأهالي البلدات المتضرّرة، تبرز أصوات معترضة داخل الحكومة، خصوصاً قواتية وكتائبية، في شأن مصدر الأموال الذي ستأتي به الحكومة، كما وعد رئيسها نواف سلام، للقيام بمشاريع إعادة الإعمار والترميم وإعادة الخدمات الأساسية إليها كالمياه والكهرباء وتزفيت الطرقات، وترميم بعض المنازل. ومجدداً يصرخ أولياء الأمر داخل الحكومة: "ما في مصاري"…
إقرأ أيضاً: خلافات المحامين… على سطوح النقابة







