
لم تكن خسارة الحزب الجمهوري السيطرة على مجلسَي النواب والشيوخ في الانتخابات النصفية الأميركية مجرد انتكاسة انتخابية للرئيس دونالد ترامب، بل شكّلت بداية مرحلة سياسية مختلفة قد تعيد رسم حدود سلطته خلال السنتين الأخيرتين من ولايته. فالرئيس الذي اعتاد التعامل مع الكونغرس بوصفه رافعة لسياساته، سيجد نفسه اعتباراً من كانون الثاني المقبل أمام أكثرية ديمقراطية تمتلك أدوات التعطيل والمساءلة، وفي الوقت نفسه أمام حزب جمهوري بدأ يتحسّب لمعركة الرئاسة عام 2028، وقد لا يكون مستعداً لتحمّل كلفة خيارات ترامب السياسية والعسكرية والاقتصادية.
الواقع أن التحدي الذي يواجهه ترامب لا ينحصر في انتقال السلطة التشريعية إلى خصومه، بل يتعداه إلى احتمال تصدّع التفاهم السياسي داخل المعسكر الجمهوري نفسه. فخسارة الكونغرس تفتح الباب أمام سؤال يتجاوز نتائج الاقتراع: إلى أي مدى سيبقى الحزب مستعداً للدفاع عن الرئيس وسياساته، بعدما بات مستقبله الانتخابي مهدداً؟
مع تسلّم الكونغرس الجديد مهماته في 3 كانون الثاني 2027، ستتراجع قدرة ترامب على تمرير مشاريعه التشريعية والمالية من دون تفاهمات مع الديمقراطيين. فالأكثرية الجديدة تستطيع تعطيل القوانين التي يطرحها، والتحكم بجدول الأعمال التشريعية، وفرض مفاوضات شاقة بشأن الموازنة والإنفاق العام والدين الفيدرالي.
سيكون مجلس النواب ساحة رئيسية للمواجهة، إذ يستطيع الديمقراطيون استخدام صلاحياتهم الرقابية لتشكيل لجان تحقيق واستدعاء مسؤولين في الإدارة ومطالبتهم بتقديم الوثائق والتوضيحات. وقد تتحوّل هذه التحقيقات إلى مصدر ضغط دائم على البيت الأبيض، بما يجعل الإدارة مضطرة إلى تخصيص جزء متزايد من جهودها للدفاع عن قراراتها.
أما مجلس الشيوخ، فتبرز أهميته في امتلاكه سلطة المصادقة على التعيينات الرئاسية الأساسية، بما فيها الوزراء والسفراء والقضاة الفيدراليون. ومع انتقال الأغلبية فيه إلى الديمقراطيين، قد يواجه ترامب صعوبات في تمرير مرشحيه، أو يجد نفسه مضطراً إلى اختيار شخصيات أقل إثارة للخلافات السياسية.
الاعتماد على الأوامر التنفيذية
لكن خسارة الكونغرس لا تعني تجريد الرئيس من صلاحياته. فترامب يحتفظ بحق النقض الرئاسي، وبسلطات واسعة في إدارة الجهاز التنفيذي والسياسة الخارجية. ولذلك، قد يدفعه الانسداد التشريعي إلى الاعتماد بصورة أكبر على الأوامر التنفيذية والقرارات الإدارية، ما ينقل جزءاً من المواجهة إلى المحاكم والمؤسسات الفيدرالية.
هنا يبرز احتمالان متناقضان: إما أن يلجأ ترامب إلى التسويات لتجنب الشلل الحكومي، وإما أن يختار التصعيد مع الديمقراطيين وتصويرهم بوصفهم المسؤولين عن تعطيل إدارته. وليس مستبعداً أن يجمع بين الخيارين، فيقدّم تنازلات في القضايا المالية، مقابل تشدد سياسي في الملفات التي يعتبرها جزءاً من إرثه الرئاسي.
بدت هذه الازدواجية في تصريحات ترامب نفسه، إذ رجّح أنه سيتمكن على الأرجح من التفاهم مع الديمقراطيين، لكنه حذّر في الوقت نفسه من أن مساءلتهم له بهدف العزل ستدمّر الحزب الديمقراطي.
الضغط الأخطر قد يأتي من الجمهوريين
غير أن المعادلة الأكثر تعقيداً تتشكل داخل الحزب الجمهوري. فالرئيس، الذي لا يستطيع الترشح لولاية ثالثة بموجب الدستور، ينظر إلى السنتين المقبلتين بوصفهما فرصته الأخيرة لاستكمال أجندته وتثبيت إرثه السياسي. أما الحزب، فينظر إليهما باعتبارهما مرحلة التحضير لاستعادة البيت الأبيض والكونغرس عام 2028.
هذا الاختلاف في الأولويات قد يتحول إلى مصدر خلاف متزايد. فإذا كان ترامب مستعداً لتحمل كلفة سياسية مقابل الاستمرار في خيارات يعتبرها ضرورية، فإن القيادات الجمهورية والمرشحين المحتملين لخلافته قد ينظرون إلى تلك الخيارات من زاوية تأثيرها على الناخبين وحظوظ الحزب في الانتخابات المقبلة.
بدأت ملامح هذا التباين بالظهور فور إعلان النتائج. إذ نقلت وكالة رويترز دعوات من استراتيجيين جمهوريين إلى تغيير مسار الإدارة وإعادة ترتيب فريق البيت الأبيض، والتراجع عن سياسات اعتُبرت مسؤولة عن الهزيمة، وفي مقدّمها الحرب على إيران والرسوم الجمركية. وفي مؤشر على حجم الضغوط داخل البيت الأبيض، نقلت رويترز عن مسؤول كبير، لم تكشف اسمه، أن كبار المساعدين يستعدون لاحتمال مغادرة موظفين وإجراء تغييرات في الإدارة، وأن المعنويات "عند أدنى مستوياتها على الإطلاق".
الأكثر دلالة جاء من نائب الرئيس جي دي فانس، الذي حمّل الحرب على إيران مسؤولية أساسية عن خسارة الجمهوريين، رابطاً النتائج أيضاً بغضب الناخبين من ارتفاع تكاليف المعيشة. وهو موقف يكتسب أهمية مضاعفة نظراً إلى تداول اسم فانس بوصفه أحد المرشحين المحتملين للرئاسة عام 2028.
تكشف هذه المواقف بداية نقاش داخل الحزب حول مسؤولية ترامب عن النتائج، بعدما كان يتمتع طوال سنوات بهامش واسع في تحديد أولويات الجمهوريين وفرض خياراته السياسية على مرشحيهم.
الحرب على إيران في قلب الخلاف
قد تتحول الحرب على إيران إلى أحد أبرز عناوين التباين بين ترامب وقيادات حزبه. فالرئيس أقرّ بأن الحرب ساهمت في خسارة الجمهوريين، لكنه دافع عن قراره، مؤكداً أنه لم يكن ليتصرف بصورة مختلفة، وأن المواجهة كانت ضرورية لمنع إيران من امتلاك سلاح نووي.
في المقابل، يرى منتقدون داخل الحزب أن استمرار الحرب وتداعياتها الاقتصادية، خصوصاً ارتفاع أسعار الطاقة، أضعفا موقف الجمهوريين أمام الناخبين.
يعكس هذا الاختلاف تضارباً في الحسابات: ترامب يسعى إلى تبرير قراره العسكري والدفاع عن نتائجه، فيما يخشى الجمهوريون أن يتحول استمرار المواجهة إلى عبء انتخابي طويل الأمد.
لا يعني ذلك بالضرورة نشوء تمرّد جمهوري شامل على الرئيس، لكنه قد يدفع عدداً متزايداً من القيادات إلى المطالبة بتسوية سياسية، أو الحد من التصعيد العسكري، وإعادة الاهتمام إلى الملفات الاقتصادية الداخلية.
معركة الخلافة تبدأ مبكراً
إلى جانب الخلاف حول السياسات، ستلقي الانتخابات الرئاسية المقبلة بثقلها على علاقة ترامب بحزبه. فمن المنتظر أن تبدأ المنافسة على ترشيح الجمهوريين في وقت مبكر، بعدما بات مؤكداً أن الحزب سيخوض انتخابات 2028 بمرشح جديد.
سيسعى الطامحون إلى خلافة ترامب إلى تحقيق معادلة صعبة: الاحتفاظ بتأييد قاعدته الانتخابية، من دون الارتباط الكامل بالقرارات التي ساهمت، بحسب منتقديه، في خسارة الكونغرس.
قد يؤدي ذلك إلى ظهور مواقف جمهورية أكثر استقلالية، خصوصاً في القضايا الاقتصادية والخارجية. كذلك، قد يصبح النواب والشيوخ الجمهوريون أقل استعداداً للدفاع عن قرارات غير شعبية، بعدما أثبتت الانتخابات أن تأييد ترامب لا يضمن بالضرورة فوز مرشحي الحزب.
مع ذلك، فإن تراجع قدرة الرئيس على فرض أولوياته لا يعني انتهاء نفوذه. فهو لا يزال يملك قاعدة جماهيرية مؤثرة، وقادراً على التدخل في المنافسات الحزبية ودعم المرشحين أو معارضتهم، ما يجعل الابتعاد عنه عملية محفوفة بالمخاطر.
رئيس محاصر... أم أكثر اندفاعاً؟
تضع هذه التطورات ترامب أمام اختبار سياسي غير مسبوق في ولايته الثانية. فهو يواجه خصوماً ديمقراطيين يمتلكون سلطة الرقابة والتعطيل، وحلفاء جمهوريين قد يضغطون عليه لتعديل سياساته حفاظاً على مستقبل الحزب.
لكن هذه الضغوط لا تقود حتماً إلى اعتدال سلوكه. فقد يختار ترامب مضاعفة المواجهة، معتبراً أن التراجع سيُفسَّر ضعفاً، أو يلجأ إلى تسويات محدودة تمنحه القدرة على استكمال ولايته من دون شلل مؤسساتي.
العامل الحاسم سيكون مدى استعداد الجمهوريين لتحويل انتقاداتهم إلى مواقف سياسية فعلية، ومدى قدرة ترامب على المحافظة على ولائهم. فخسارة الكونغرس لم تُنهِ سلطة الرئيس، لكنها أنهت مرحلة تمتّعه بغطاء تشريعي جمهوري. والأهم أنها فتحت مبكراً معركة خلافته، بما قد يجعل السنتين الأخيرتين من رئاسته ساحة صراع مزدوج: مواجهة مع الديمقراطيين على إدارة الحاضر، ومنافسة داخل الحزب الجمهوري على رسم مستقبل ما بعد ترامب.
هكذا، قد لا تكون المشكلة الكبرى أمام ترامب أنه خسر الكونغرس، بل أن حزبه بدأ يحسب كلفة البقاء خلفه، بعدما أصبحت معركة الرئاسة المقبلة أهم بالنسبة إليه من الدفاع عن جميع خيارات الرئيس الحالي.
إقرأ أيضاً: الكونغرس الأميركي: ما الفرق بين صلاحيات مجلس النواب ومجلس الشيوخ؟







