قصة كبيرة

تهدئة رئاسية مع "حزب الله"؟

لم يأت تحذير رئيس الحكومة نواف سلام عقب لقائه يوم الخميس رئيس الجمهورية جوزاف عون من العدم، بل اندرج ضمن سياق مزيد من الضغوط الخارجية على لبنان، بالتزامن مع انتهاء استحقاق انتخابات الكنيست في إسرائيل والانتخابات النصفية الأميركية، بضرورة منع "حزب الله" من القيام بأي خضّة داخلية أو المشاركة بالحرب مجدداً في حال رسا القرار لدى الرئيس الأميركي دونالد ترامب بتعويض نكسته الداخلية عبر ضرب إيران مجدداً، وبقوة أكبر.

كرّر سلام، في رسالة موجّهة مباشرة إلى "حزب الله"، "التحذير من مغبّة جرّ لبنان إلى أيّ مغامرة عبثية جديدة خدمة لمصالح خارجية وزجّه في مواجهات لا يملك ترف تحمّل تبعاتها"، وأدان "أي تدخلّ لبناني في الشؤون الداخلية للدول العربية"، على خلفية أحداث اليمن الأخيرة، مع العلم أن الحزب أصدر بياناً نفى فيه مشاركة خبراء من الحزب في إدارة العمليات العسكرية إلى جانب الحوثيين، معتبراً أن هذه الاتهامات "عارية عن الصحة جملة وتفصيلاً ولا تستند إلى أي وقائع".

تفيد المعلومات بأن لقاء عون-سلام الذي أتى ضمن سياق اللقاءات الدورية، تناول مسألة تأجيل جلسة مجلس الوزراء التي كانت مقرّرة في اليوم نفسه بعد الظهر، والتي كان يفترض أن تستكمل البحث في ملف الكهرباء ضمن خطوة رئاسية كانت تهدف إلى إحراج "القوات" للعودة عن قرارها بمقاطعة جلسات الحكومة.

كما تمّ التداول في نتائج الانتخابات النصفية الأميركية التي كرّست اكتساح المعسكر الديموقراطي للكونغرس بمجلسيه، والاتفاق على عناوين عاد وأدلى بها سلام من منبر قصر بعبدا حيال تحذير الحزب من الانغماس مجدداً بأي حرب.

تزامن ذلك، مع بدء قاضي التحقيق العسكري الأول غادة ابو علوان تحقيقاتها الاستنطاقية في ملف متفجرات ضهر البيدر، حيث تتوقّع مصادر مطلعة أن لا تطول فترة هذه التحقيقات، وعلى أثرها تصدر قرارها الاتّهامي وتحيل الملف إلى المحكمة العسكرية برئاسة العميد في الجيش وسيم فياض.

أمس، وضمن سياق التسريع في التحقيقات ادّعت أبو علوان على الموقوفَين الوحيدَين في الملف هيثم أمهز وعلي الكردي، وأصدرت مذكرات توقيف بحقهما. وفيما هناك 12 مدّعى عليهم آخرين في القضية (7 معروفة كامل الهوية و4 معروفين بألقابهم)، تقول المعلومات إنّه حتى الساعة لم يتمّ توقيف أي منهم، وقد يصعب ذلك بسبب صعوبة تقصّي أماكن وجودهم، أولتواجدهم في مناطق يسيطر عليها الحزب أمنياً.

وفق المعلومات، يندرج سياق الأحداث ضمن محورين أساسييّن مرتبطين بـ"حزب الله":

-الأول التوجّه الرئاسي اللبناني إلى عدم رفع مستوى المواجهة مع "حزب الله"، وذلك عبر إبقاء ملف متفجرات ضهر البيدر بعهدة القضاء العسكري، مع الإصرار على إحالة أي ملفّ شبيه به إلى المحكمة العسكرية أيضاً.

 هنا تؤكد مصادر مطلعة، ورغم كل الضغط القواتي والكتائبي، بأن لا إحالة للملفّ إلى المجلس العدلي حتّى لو كلّف ذلك خروج "القوات" من الحكومة. ثمّة من يذهب أبعد من ذلك بالتأكيد على أنّ هناك خطة "ب" في حال قرّرت "القوات" قلب الطاولة، من خلال تسيير أعمال وزارات الوزراء المستقيلين بوزراء آخرين من ضمن الحكومة، أي الوزراء الرديفين.

لكن حتى الآن، لا معطيات تؤكّد على هذا التوجّه القواتي في ظل إصرار عون وسلام على عدم إحالة ملف المتفجّرات إلى المجلس العدلي. في المقابل، يبرز نوع من التهدئة من جانب قياديي "الحزب" ونوابه أزاء الرئاسة الأولى والحكومة، ما يُفسّر بأنّه نوع من "التفاهم" الضمني بالتهدئة المتبادلة، مع "ضمانات" مرفقة بعدم خوض "الحزب" حرب إسناد جديدة.

أمس، كان لافتاً تعليق "القوات اللبنانية" على موقف سلام "المحذّر" من دخول "الحزب" بحرب جديدة، إذ رأت أن "تحذير الدولة للحزب من تداعيات أي حرب مقبلة مضيعة للوقت، والمطلوب أن تحسم موقفها بحلّ تنظيمه ونزع سلاحه، فهذا الفريق لا يفهم سوى لغة  التنفيذ وفرض سلطة الدولة، وهي اللغة التي لا تزال الدولة تمتنع عن استخدامها"، معتبرة أن "لبنان لا يزال ساحة إيرانية".

-الثاني: لا تزال الوساطات قائمة لتقريب المسافات بين رئيس الجمهورية و"حزب الله"، من دون أن تأخذ أي بعد رسمي أو جدّي حتى الآن، بل في سياق "تهدئة النفوس"، كما يقول مصدر مطلع. يتزامن ذلك مع واقع قد يقوّي موقف "الحزب" أمام السلطة، إذ عمدت إسرائيل، وبعد فترة من توقيف هذا النوع من العمليات (تحديداً منذ حزيران الماضي إثر توقيع اتفاق الإطار) إلى استئناف عملياتها ضد ما تقول أنّهم عناصر من "الحزب"، كما حصل في بلدة قبريخا الجنوبية، يوم الاربعاء، عبر استهداف دراجة  نارية ما أدى إلى وقوع شهيد وجريح. وقبريخا تقع خارج المنطقة المحتلّة، والخط الأصفر. كما شهدت مناطق لبنانية، خصوصاً في بيروت، تحليق مكثّف للمسيرات الإسرائيلية، أوحى بنشاط إسرائيلي متزايد خارج منطقة الجنوب.

هذه عوامل، برأي مطلعين، تدعم موقف "الحزب" الرافض بشكل قاطع لقرارات الحكومة بتسليم سلاحه، في ظل عدم قدرة لوجستية للجيش اللبناني للتصدّي لأي انتهاكات إسرائيلية، مهما كان مستواها.

أبعد من ذلك، يتصرّف "الحزب" بمنطق أن التسونامي الأميركي، بتهديد "عرش" دونالد ترامب، يصبّ في مصلحته ضمن معركته المباشرة مع الإدارة الاميركية الحالية، وما يستتبع ذلك من احتمال صرف هذه الخسارة التاريخية للجمهوريين على طاولة التسوية بين إيران وواشنطن.

إقرأ أيضاً: أربعة ضباط في دائرة الادعاء... لماذا تحرّك البيطار الآن؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى