بالريشة

ماذا بين السعودية والإمارات؟

دخلت العلاقات السعودية– الإماراتية مرحلة دقيقة تجمع بين احتواء التوتر وإعادة ضبط الأدوار، خصوصاً في الملف اليمني الذي شكّل خلال السنوات الماضية أحد أبرز نقاط التلاقي والاختلاف بين البلدين.

البيان السعودي الأخير، الذي شدد على أن الأمن الوطني للمملكة "خط أحمر"، عكس قلقاً واضحاً من تطورات ميدانية في شرق وجنوب اليمن، ولا سيما في محافظتي حضرموت والمهرة، حيث ترى الرياض أنّ أي تحركات عسكرية أو أمنية غير منسّقة قد تفتح الباب أمام فوضى أمنية أو تهديد مباشر لحدودها الجنوبية.

هذا البيان لم يكن مجرد موقف عابر، بل رسالة سياسية واضحة بضرورة إعادة الالتزام بأهداف التحالف العربي، وعلى رأسها دعم الدولة اليمنية ومنع تفككها.في المقابل، جاء إعلان وزارة الدفاع الإماراتية سحب قواتها من اليمن ليشكّل خطوة تهدئة ذات دلالات سياسية وعسكرية.

أكدت أبوظبي أنّ هذا القرار يندرج ضمن إعادة تموضع مدروسة، ويعكس التزامها بخفض التصعيد، واحترام سيادة اليمن، وعدم الدخول في أي مسار يمكن أن يُفهم على أنه تهديد لأمن السعودية أو تفويض لاستقرار المنطقة. كما شددت الإمارات على أن أمن المملكة جزء لا يتجزأ من أمن الخليج، وأن العلاقات الثنائية أكبر من أي تباين مرحلي.

غير أنّ هذا التطور لا يلغي وجود ملفات خلافية بنيوية بين الرياض وأبوظبي، وإن كانت تُدار حتى الآن ضمن سقف التحالف الاستراتيجي. يأتي في مقدمة هذه الملفات الملف اليمني نفسه، حيث تختلف مقاربة البلدين للقوى المحلية، وخصوصاً في الجنوب.

السعودية تميل إلى دعم إطار الدولة اليمنية ومؤسساتها الرسمية، بينما انخرطت الإمارات خلال سنوات الحرب في دعم قوى محلية جنوبية لأسباب أمنية وجيوسياسية، ما خلق تباينات في الرؤية، وإن لم يصل إلى حد القطيعة.إلى جانب اليمن، يبرز الملف الاقتصادي كأحد مجالات التنافس الصامت بين البلدين، خصوصاً في ما يتعلق بجذب الاستثمارات الإقليمية والدولية، والمراكز اللوجستية، والسياسات الضريبية والتنظيمية.

كما تظهر تباينات محدودة في إدارة النفوذ الإقليمي، سواء في القرن الإفريقي أو في بعض الملفات العربية، حيث يسعى كل طرف إلى تعزيز موقعه الإقليمي وفق أولوياته الخاصة.كذلك يعدّ الملف السوداني أحد أكثر الملفات حساسية وتعقيداً في العلاقات السعودية–الإماراتية.

منذ اندلاع الحرب في السودان بين الجيش بقيادة عبد الفتاح البرهان وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي)، اتفقت الرياض وأبوظبي مبدئياً على ضرورة منع انهيار الدولة السودانية وتفادي تحوّل البلاد إلى ساحة فوضى إقليمية.

السعودية ركّزت على الدور السياسي والدبلوماسي، فاستضافت مفاوضات جدة بالتنسيق مع الولايات المتحدة، وسعت إلى تثبيت وقف إطلاق النار، والحفاظ على وحدة المؤسسات الرسمية للدولة السودانية، انطلاقاً من هواجس أمن البحر الأحمر، وتأثير الفوضى السودانية على أمنها القومي وممرات الملاحة الدولية.

في المقابل، اتُّهمت الإمارات – من قِبل أطراف سودانية ودولية – باتباع مقاربة أكثر براغماتية وميدانية، تقوم على نسج علاقات مع قوى نافذة على الأرض، وعلى رأسها قوات الدعم السريع، سواء بدافع حماية مصالحها الاقتصادية والاستثمارية في السودان، أو ضمن رؤيتها الأوسع لإدارة النفوذ في القرن الإفريقي.

ورغم نفي أبوظبي المتكرر تقديم دعم عسكري مباشر لأي طرف، فإن هذه الاتهامات خلقت حساسية سياسية مع الرياض، التي تخشى أن يؤدي أي فصيل مسلح إلى تعميق الانقسام السوداني.

مع ذلك، تبقى العلاقات السعودية– الإماراتية محكومة بشبكة مصالح عميقة تشمل أمن الخليج، مواجهة التهديدات الإقليمية، استقرار أسواق الطاقة، والتنسيق داخل مجلس التعاون الخليجي.

ولهذا، يُفهم إعلان سحب القوات الإماراتية من اليمن كخطوة تهدف إلى نزع فتيل التوتر، وليس كتحول استراتيجي جذري في العلاقة.

لكن التطورات الأخيرة تكشف أن العلاقة بين الرياض وأبوظبي لم تعد قائمة فقط على التطابق الكامل في السياسات، بل على إدارة الخلافات ببراغماتية عالية. فبين التحالف والتنافس، يسعى الطرفان إلى الحفاظ على شراكة استراتيجية، مع إعادة رسم حدود الأدوار في الملفات الحساسة، وفي مقدّمها اليمن، بما يمنع الانزلاق إلى مواجهة سياسية أو أمنية غير مرغوبة.

إقرأ أيضاً: إحياء اتفاق الهدنة بعد 75 سنة على توقيعه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى