
يرى مراقبون أنّ جوزاف عون، رئيس الجمهورية، القائد الأعلى للقوات المسلّحة، قائد الجيش السابق، أحد الضبّاط الذين خدموا لسنوات في جنوب الليطاني، تحديداً قطاع مرجعيون، صاحب أوسع دائرة لزيارات دولية قام بها منذ انتخابه رئيساً للجمهورية مقارنة برؤساء جمهورية سابقين، لم يُقدّم منذ توقيع اتفاق وقف إطلاق النار في تشرين الثاني 2024 مقاربة مقنعة وعملية لكيفية مواجهة الاعتداءات الإسرائيلية التي استمرت بمستوى لا سابق له في المنحى الإجرامي منذ الإعلان عن وقف الأعمال العدائية. كذلك، لم يتمكن ومن موقعه العسكري السابق، وبجهازه الاستشاري "السياسي-العسكري"، وبحركة موفديه إلى الثنائي الشيعي، من التقاط إشارات جدّية عن احتمال دخول "الحزب" الحرب في حال اندلاعها على خط واشنطن طهران.
أكثر من ذلك، قبل أيام أعلن النائب السابق نواف الموسوي إنّ "الحزب حتى لو لم تفتح واشنطن وإسرائيل الحرب ضد إيران كان الحزب، ردّاً على الاعتداءات الإسرائيلية التي استمرت على مدى 15 شهراً، سيتدخّل حتماً لوقف الجرائم الإسرائيلية".
يشير هؤلاء إلى أنّ الرئيس عون أخطأ على مستويين أساسيين في مواكبته، من موقعه الرئاسي، لانقلاب تل أبيب على اتفاق وقف إطلاق النار:
-الأول حين قدّم في نيسان 2024 مقاربته لمسألة التفاوض مع إسرائيل رافضاً المبدأ من أساسه "إذ أن لبنان لا يحتلّ أراضٍ إسرائيلية، بل إسرائيل تحتلّ خمس نقاط لبنانية، ولبنان ليس لديه اسرى إسرائيليين، على شو بدي أتفاوض معه".
لكن بعد نحو اسبوعين من اندلاع الحرب بين إسرائيل والحزب رفع عون "نداء التفاوض" إلى حدّه الأقصى، ليس فقط بانقلابه على المبدأ الذي تمسّك به سابقاً مع العلم أن إسرائيل ترتكب راهناً جرائم واضحة ضد الإنسانية وتنفّذ إخلاءات غير مسبوقة تكاد تقارب 20% من مساحة لبنان، وتبيد عائلات بأكملها، وتهدّد بضرب منشآت مدنية، بل بطلب التفاوض المباشر مع العدو الإسرائيلي.
هنا يقول مطلعون إنّ رئيس الجمهورية ربما لم يتنبّه لواقع أنّ القوانين اللبنانية تحرّم هذا التواصل، وهو يشكّل جرماً جزائياً، ما يستدعي إما تعديل القانون لجهة إتاحة التواصل المباشر مع العدو أو التئام مجلس النواب لإعطاء الإذن بهذا التفاوض. وهذه نقطة قد يركّز عليها في المرحلة المقبلة الرافض للتفاوض المباشر مع إسرائيل.
-الثاني تقديم رئيس الجمهورية صورة غير دقيقة تماماً لواقع عسكري كان يشهده جنوب الليطاني على مدى 15 شهراً. إذ أنّ عون، وفي مقابلة أجراها في كانون الثاني، بمناسبة مرور عام على بدء ولايته الرئاسية، كشف عن الترجمة الميدانية والحرفية لـ"السيطرة العملانية". وهو المصطلح الذي استخدمه قائد الجيش العماد رودولف هيكل خلال جلسة مجلس الوزراء بداية العام، معلناً استكمال الجيش سيطرته العملانية على جنوب الليطاني.
يومها قال عون حرفياً: "المقصود بالسيطرة العملانية أنّ الجيش بات قادراً على منع أي عمليات عسكرية داخل المنطقة، وقادراً على التدخل لمنعها. أما لجهة القول إنّه لا يزال يتمّ العثور على مخازن أو أنفاق، فأنا ابن الجنوب وأعرف أن المنطقة فيها الكثير من الوديان والغابات، ولا يمكن تفتيشها بأكملها خلال فترة قصيرة. الأهمّ، هو منع أي مجموعة من الدخول إلى المنطقة وجعل الجنوب منطلقاً لأي عمليات عسكرية".
هذا التقييم العسكري لرئيس الجمهورية سَقط بالكامل فجر 2 آذار لحظة إطلاق أول صليات صاروخية من قبل عناصر الحزب، وهو كان محط شبه مساءلة أو استفسار من جانب مرجعيات غربية تواصلت مع القصر الجمهوري في الآونة الأخيرة.
لكن بتأكيد مراقبين، هذا الواقع الانقلابي الذي فرضه "الحزب" على الدولة برمّتها، جرّاء تمادي إسرائيل في جرائمها واعتداءاتها وفي لحظة إسناد من الحزب ايضاً لإيران، سيشكّل ورقة الضغط الأكبر على السلطة في لبنان خلال مساعيها الدبلوماسية للجم تداعيات الحرب، لا سيما أنّ الدولة بكافة أركانها فاقدة تماماً لورقة التحكّم بقرار الحزب، ومدى ارتباطها بالحرب الأميركية- الإسرائيلية.
إقرأ أيضاً: الجيش جنوب الليطاني: صامد







