
انطلق صباح أمس موكب تشييع المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي من العاصمة طهران، في واحدة من أكبر المراسم الرسمية التي شهدتها الجمهورية الإسلامية منذ قيامها عام 1979. ولم يكن الحدث مجرد جنازة لزعيم حكم إيران لأكثر من ثلاثة عقود، بل محطة سياسية ورمزية أرادت السلطات الإيرانية من خلالها تأكيد تماسك النظام، وإظهار قدرته على حشد التأييد الشعبي رغم المرحلة الحساسة التي تمر بها البلاد.
انطلقت مراسم التشييع بعد يومين من إلقاء النظرة الأخيرة على جثمان خامنئي في مجمع "مصلى الإمام الخميني" في طهران، حيث احتشد مئات الآلاف للمشاركة في مراسم الوداع. وسلك الموكب طريقاً رئيسياً عبر شوارع العاصمة وصولاً إلى ساحة آزادي، قبل أن يُنقل الجثمان إلى مطار مهرآباد لاستكمال مراسم التشييع التي ستشمل لاحقاً مدينتي قم ومشهد، حيث سيوارى الثرى في مسقط رأسه بعد سلسلة من المراسم الدينية والرسمية تمتد عدة أيام.
شهدت شوارع طهران مشاركة حشود ضخمة ارتدت السواد ورفعت الأعلام الإيرانية وصور خامنئي، فيما صدحت الهتافات المؤيدة للنظام والداعية إلى مواصلة نهج "المقاومة". كما انتشر عناصر الأمن والحرس الثوري بكثافة على طول مسار الموكب، في ظل إجراءات أمنية مشددة هدفت إلى تأمين الحدث الذي يُعد من أكثر المناسبات حساسية في تاريخ الجمهورية الإسلامية.
على المستوى الرسمي، شارك رئيس الجمهورية وكبار المسؤولين المدنيين والعسكريين، إلى جانب قيادات الحرس الثوري والجيش ورؤساء السلطات، فضلاً عن وفود وشخصيات أجنبية جاءت لتقديم التعازي. في المقابل، لفت غياب المرشد الجديد مجتبى خامنئي عن مراسم التشييع الأنظار، إذ عزت تقارير ذلك إلى اعتبارات أمنية في ظل الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد..
تتجاوز أهمية هذه الجنازة بعدها الديني أو الشعبي، لتأخذ أبعاداً سياسية واستراتيجية. فالنظام الإيراني يسعى إلى تحويلها إلى استعراض لوحدة مؤسسات الدولة بعد مرحلة شهدت تحديات أمنية وعسكرية غير مسبوقة، وإلى توجيه رسالة بأن انتقال القيادة لم يؤد إلى اهتزاز بنية النظام أو تراجع نفوذه الداخلي.
كما تحمل المراسم رسالة إلى الخارج، ولا سيما الولايات المتحدة وإسرائيل، مفادها أن اغتيال خامنئي لم ينجح في إضعاف الجمهورية الإسلامية أو تفكيك مؤسساتها، بل عزز، وفق الرواية الرسمية الإيرانية، التماسك الداخلي والإصرار على مواصلة السياسات الإقليمية والاستراتيجية التي أرساها المرشد الراحل. لذلك، تحرص طهران على أن تبدو الجنازة حدثاً وطنياً جامعاً، أكثر منها مناسبة بروتوكولية.
يرى مراقبون أن حجم المشاركة الشعبية والرسمية في مراسم التشييع سيُستخدم خلال المرحلة المقبلة كأداة لتعزيز شرعية القيادة الجديدة في الداخل، ولتأكيد استمرار مؤسسات الحكم في أداء دورها بصورة طبيعية، في وقت تواجه فيه إيران ملفات شائكة، من المفاوضات مع الولايات المتحدة إلى التوترات الإقليمية، مروراً بالتحديات الاقتصادية الداخلية.
بذلك، لا تُختزل جنازة علي خامنئي في وداع رجل قاد إيران منذ عام 1989، بل تشكل محطة مفصلية في تاريخ الجمهورية الإسلامية، تحاول من خلالها السلطة رسم صورة للاستمرارية والثبات، وإرسال رسائل سياسية إلى الداخل والخارج بأن مرحلة ما بعد خامنئي ستكون امتداداً لنهجه، لا قطيعة معه.
إقرأ أيضاً: أبرز بنود الاتفاق الأميركي- الإيراني… ونقاطه العالقة







