
يشير مطلعون إلى وجود تناقض بنيوي صارخ بين منطلقات بنود اتفاق "اللجنة العليا اللبنانية-السورية"، التي جرى توقيعها بين البلدين خلال زيارة وزير الخارجية السوري أسعد شيباني إلى بيروت في الثاني من تموز الجاري، وبين مندرجات المادة الرابعة من "اتفاق واشنطن".
من جهة، تتضمن الاتفاقية الثنائية اللبنانية-السورية الموقعة حديثاً تأكيدات تقليدية حاسمة لجهة "احترام سيادة واستقلال ووحدة أراضي كل من الدولتين، والالتزام القاطع بعدم التدخّل في الشؤون الداخلية المتبادلة للبلدين"، وهو ما يُفترض أنه يرسم حدوداً قانونية واضحة تمنع أي دور أمني أو عسكري خارجي لدمشق فوق الأراضي اللبنانية.
لكن في المقلب الآخر، تأتي المادة الرابعة من "اتفاق واشنطن" لتفتح الباب أمام قراءة مغايرة تماماً؛ إذ تشير هذه المادة صراحة إلى "دعم الشركاء الدوليين، لا سيما العرب منهم، لتحقيق النزع الكامل والسريع للسلاح، وضمان عدم اضطلاع أي جماعات مسلّحة بأي دور عسكري أو أمني في البلاد".
وهي المادة التي فسّرتها أوساط سياسية ودبلوماسية بارزة بأنّها تعني مباشرة الدولة السورية، ملمحة إلى احتمال وجود رغبة أو تفويض دولي خفي لطلب مساعدة دمشق والاعتماد على نفوذها التاريخي والأمني لإنجاز ملف سحب سلاح "حزب الله"، أو على الأقل ضبط الحدود وضمان عدم إعادة تسليحه.
في هذا السياق، يبرز بوضوح كلام الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي ألمح في مواقفه الأخيرة إلى ضرورة وجود دور سوري محوري وحاسم في ضبط هذا الملف، معتبراً أن دمشق تملك الأوراق والقدرة على لجم النفوذ المسلح على حدودها والتأثير المباشر في معادلة نزع السلاح اللبناني كجزء من تسوية إقليمية أوسع تحت الرعاية الدولية.
هذا الطرح الأميركي واجه إصراراً سورياً حازماً على عدم التدخل؛ حيث تقاطعت المواقف الرسمية السورية عند رفض الانجرار إلى هذا الطوق، والتمسك بالمعادلة التي صاغتها دمشق ومفادها أن ترتيب الأوضاع الداخلية اللبنانية هو مسؤولية بيروت ومؤسساتها الشرعية حصراً، وأن السيادة السورية لن تكون أداة لتنفيذ أجندات أو رغبات أميركية.
هذا التوازي المقلق بين الاتفاقين يضع الدبلوماسية اللبنانية أمام معضلة حقيقية؛ فكيف يمكن التوفيق بين التزام دمشق المكتوب بعدم التدخل في شؤون بيروت، وبين الضغوط الأمريكية والغربية لجرّها إلى لعب دور "الراعي أو الضامن" لعملية نزع السلاح؟
إقرأ أيضاً: هل يمرّ قانون العفو في الهيئة العامة؟







