قصة كبيرة

خريطة إسرائيلية تلتهم الجنوب والنبطية: غلطة أو إستفزاز؟

أثارت الخريطة التي نشرتها وزارة الخارجية الإسرائيلية عن سوء التغذية لدى الأطفال في منطقة الشرق الأوسط، والتي ظهرت فيها أجزاء واسعة من محافظتي الجنوب والنبطية خارج الحدود اللبنانية، موجة من التساؤلات السياسية والأمنية، لا سيما أن نشرها يأتي في توقيت بالغ الحساسية، بالتزامن مع المسار التفاوضي بين لبنان وإسرائيل في روما.

يرى خبير عسكري أن التعامل مع هذه الخريطة باعتبارها قراراً إسرائيلياً فعلياً بضم أراضٍ لبنانية قد يكون مجرد توجيه رسائل، إذ إن تغيير حدود الدول ليس أمراً بسيطاً يمكن فرضه بمجرد نشر خريطة أو بيان، بل يحتاج إلى ظروف سياسية وعسكرية وقانونية معقدة. إلا أن ذلك لا يعني التقليل من خطورة الخطوة أو اعتبارها مجرد خطأ تقني، إذ يمكن أن تحمل في طياتها أكثر من رسالة وأكثر من هدف.

الاحتمال الأول، وفق الخبير العسكري، أن تكون الخريطة ورقة ضغط إضافية على لبنان في مفاوضات روما. فإسرائيل تدرك أن لبنان دخل إلى هذا المسار التفاوضي بأوراق قوة محدودة، وبالتالي فإن رفع سقف المطالب الإسرائيلية، وصولاً إلى طرح خرائط تنتقص من الأراضي اللبنانية، قد يكون محاولة لفرض واقع تفاوضي جديد ودفع الجانب اللبناني إلى تقديم تنازلات أكبر. وبمعنى آخر، قد تكون الرسالة الإسرائيلية: كلما طال التفاوض أو ارتفع سقف المطالب اللبنانية، ارتفع في المقابل السقف الإسرائيلي.

أما الاحتمال الثاني، فيرتبط بالداخل الإسرائيلي، خصوصاً مع اقتراب الانتخابات. فطرح خرائط من هذا النوع يمكن أن يخدم بنيامين نتنياهو انتخابياً، عبر تقديم نفسه أمام الرأي العام الإسرائيلي، ولا سيما اليمين، باعتباره الرجل القادر على فرض شروط إسرائيل وحماية الحدود وتحقيق مكاسب إقليمية، في وقت تحاول فيه الحكومة تعزيز رصيدها السياسي والأمني.

أما الاحتمال الثالث، فيتمثل في كون الخريطة رسالة موجهة إلى مستوطني الشمال الإسرائيلي، لطمأنتهم إلى أن الحكومة لا تتعامل مع أمنهم كملف مؤقت، وأنها مستعدة للذهاب بعيداً في فرض ترتيبات جديدة على الحدود الشمالية. وبالتالي، فإن الرسالة ليست للبنان وحده، بل أيضاً للجمهور الإسرائيلي الذي يطالب بضمانات تمنع تكرار ما يعتبره تهديداً لأمن مستوطنات الشمال.

اللافت أن لبنان، بعد اعتراضه لدى الولايات المتحدة، شهد تطوراً أكثر دلالة: تل أبيب حذفت المنشور، من دون أن تقدم تعديلاً للخريطة أو تفسيراً واضحاً لما ورد فيها. وهنا تحديداً تكمن المفارقة: فإذا كانت المسألة مجرد خطأ، فلماذا لم تُصحَّح الخريطة؟ وإذا كانت مقصودة، فلماذا حُذفت؟

في السياسة، أحياناً لا تكون أهمية الرسالة بما تقوله فقط، بل بما تتركه خلفها من أسئلة. والخريطة الإسرائيلية، حتى بعد حذفها، تركت سؤالاً أكبر من حدودها: هل كانت مجرد ورقة ضغط على طاولة روما، أم جس نبض لردود الفعل، أم رسالة انتخابية داخل إسرائيل؟ الإجابة قد لا تكون في الخريطة نفسها، بل في ما ستفعله إسرائيل تالياً على الأرض وفي المفاوضات

إقرأ أيضاً: فرنجية لعون: جعجع أو "خطّنا"!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى