
في الذكرى السادسة لانفجار المرفأ، تتجه الأنظار إلى المرحلة الأخيرة من التحقيقات، في ظل ترجيحات متقاطعة تشير إلى احتمال صدور القرار الظني خلال الأسابيع المقبلة، بعد أن ينجز المحامي العام التمييزي القاضي محمد صعب مطالعته في أساس الملف، تمهيداً لإحالته إلى المحقق العدلي القاضي طارق البيطار لاستكمال الإجراءات القانونية. وإذا صدقت هذه التوقعات، يكون الملف قد دخل للمرة الأولى منذ أكثر من ست سنوات مرحلة الحسم القضائي، بعدما تنقل بين التعطيل والاستئناف، وشهد واحدة من أكثر المسارات القضائية تعقيداً في تاريخ لبنان الحديث.
منذ الرابع من آب 2020، لم يكن التحدي محصوراً في كشف ملابسات الانفجار الذي دمّر العاصمة وأودى بحياة أكثر من مئتي شخص وجرح الآلاف، بل امتد إلى معركة قضائية طويلة اصطدمت بعقبات قانونية وسياسية ودستورية عطلت التحقيق مرات متتالية، وأرجأت الوصول إلى الحقيقة التي طالبت بها عائلات الضحايا والرأي العام اللبناني.
بدأت أولى التعقيدات مع تعيين القاضي فادي صوان محققاً عدلياً، قبل أن يُكفّ عن الملف بقرار قضائي إثر دعاوى ارتياب مشروع تقدّم بها عدد من المدعى عليهم، لتنتقل المهمة إلى القاضي طارق البيطار الذي أعاد إطلاق التحقيقات ووسّع دائرة الادعاءات لتشمل وزراء سابقين ونواباً وقادة أمنيين ومسؤولين إداريين.
إلا أن مسار البيطار لم يكن أقل تعقيداً، إذ انهالت عليه دعاوى الرد والمخاصمة وطلبات كف اليد، ما أدى إلى تعليق التحقيق مراراً، وسط جدل قانوني حول حدود صلاحيات المحقق العدلي وإمكان ملاحقة نواب ووزراء يتمتعون بحصانات دستورية. كما برز خلاف قضائي غير مسبوق بين المحقق العدلي والنيابة العامة التمييزية، بعدما اتخذ كل طرف قرارات متعارضة بشأن مسار التحقيق، الأمر الذي أدخل الملف في حالة من الشلل استمرت أشهراً طويلة.
ترافقت هذه المواجهة القضائية مع انقسام سياسي حاد، إذ اعتبرت قوى سياسية أن التحقيق يشوبه الاستنساب ويستهدف فريقاً دون آخر، فيما تمسكت عائلات الضحايا وعدد كبير من الهيئات الحقوقية باستقلالية التحقيق ورفض أي تدخل سياسي أو قضائي يؤدي إلى تعطيله.
لم تقتصر العقبات على الداخل اللبناني، بل اصطدم التحقيق أيضاً بصعوبات مرتبطة بالتعاون القضائي الدولي، ولا سيما في ما يتعلق بطلبات المساعدة القانونية الموجهة إلى عدد من الدول للحصول على معلومات تتعلق بمسار شحنة نيترات الأمونيوم والجهات المرتبطة بها، وهو ما أدى إلى إطالة أمد التحقيق وتعقيد بعض جوانبه التقنية.
خلال السنوات الماضية، تحوّل ملف المرفأ إلى عنوان دائم للأزمة القضائية في لبنان، بعدما كشف حجم التداخل بين القانون والسياسة، وأعاد فتح النقاش حول استقلالية القضاء، وآليات تعيين القضاة، وحدود الحصانات، وسبل حماية التحقيقات في القضايا الكبرى من التعطيل.
اليوم، ومع اقتراب إنجاز مطالعة النيابة العامة التمييزية، تزداد التوقعات بأن يدخل الملف مرحلة جديدة قد تفضي إلى صدور القرار الظني، وهو القرار الذي سيحدد المسؤوليات الأولية، ويفتح الباب أمام المحاكمة المنتظرة. إلا أن صدور القرار، على أهميته، لن يعني نهاية المسار القضائي، بل بداية مرحلة جديدة قد تشهد دفوعاً شكلية واعتراضات واستئنافات، ما يعني أن الطريق إلى الأحكام النهائية لا يزال طويلاً.
مع ذلك، فإن مجرد وصول التحقيق إلى هذه المرحلة يُعد تطوراً مفصلياً بعد سنوات من المراوحة والتعطيل، ويعيد إحياء آمال أهالي الضحايا في أن تتحول واحدة من أكثر القضايا إيلاماً في تاريخ لبنان إلى مسار قضائي مكتمل، يُحدد المسؤوليات وفق الأدلة والقانون، ويضع حداً لسنوات من الشكوك والتجاذبات التي أحاطت بملف انفجار مرفأ بيروت.
إقرأ أيضاً: هل يُنجِز الحجار مطالعته في تحقيقات المرفأ قبل تقاعده؟







