
لا موقف رسمياً جعل بيروت، الإدارية كما الكبرى، خارج الاعتداءات الإسرائيلية. توقف القصف من دون أي إعلان واضح، فيما الجنوب اللبناني لا يزال في دائرة الاستهدافات، وتتركز المعارك في بنت جبيل المحاصرة التي تشهد جولات قتالية قاسية. حتى أنّ المسيرات بلغت صباح أمس السعديات. لكن مؤشرات كثيرة أوحت بأنّ إسرائيل أخرجت العاصمة والضاحية الجنوبية من بان أهدافها اليومي. فما الذي حصل؟
الأكيد أنّ السردية التي يحاول "الحزب" اقناع بيئته وبقية البيئات اللبنانية بها، ومفادها أنّ إيران فرضت وقفاً لإطلاق النار كشرط للجلوس إلى طاولة المفاوضات مع الولايات المتحدة الأميركية، غير دقيقة. المسؤولون الإيرانيون جلسوا مرة إلى طاولة إسلام آباد قبالة نظرائهم الأميركيين، وها هم يستعدون للجلوس مرة ثانية، فيما القصف لا يزال يلفّ الجنوب ويرتكب الفظائع بلا هوادة. صحيح أنّ طهران استخدمت ورقة مضيق هرمز للضغط في سبيل وصل المسارين اللبناني والإيراني، لكن الوقائع تدلّ على أنّ الفصل بين لبنان وإيران حصل وتكرّس بفعل الإصرار الإسرائيلي على مواصلة الاعتداءات، والحصار الذي فرضته واشنطن على المضيق، والاستعداد الإيراني لخوض جولة ثانية من المفاوضات مع الأميركيين.
إذاً، ثمة اعتبارات أخرى فرضت نفسها على الأجندة الإسرائيلية ودفعتها إلى حصر عملياتها بالجنوب اللبناني، أقله في المدى المنظور، يمكن سردها على الشكل الآتي:
- الاعتبار الأهم فرضته الإدارة الأميركية التي دفعت باتجاه بدء المفاوضات بين لبنان وإسرائيل، وكان لا بدّ من تقديم تنازل ما من الجانب الإسرائيلي أمام اللبنانيين لدعم وجهة نظر مؤيدي هذه المفاوضات. وبما أنّ إسرائيل ترفض الرضوخ لمطلب وقف إطلاق النار في هذه المرحلة، فكان البديل تقليص حجم العمليات وحصرها بالجنوب بعد تحييد العاصمة وضاحيتها الجنوبية. وقد خرج رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بعد اجتماع الكابينات أمس ليناقض التوقعات ويعلن "مواصلة ضرب حزب الله وسنحسم المعركة في بنت جبيل، وقد أصدرت أمس تعليمات للجيش بمواصلة تعزيز المنطقة الآمنة في جنوب لبنان".
- تداعيات المجزرة التي ارتكبتها إسرائيل في العاصمة يوم الأربعاء الأسود، والتي دفعت عدداً من الدول بينها مصر والسعودية إلى التدخل لدى الإدارة الأميركية لدفعها إلى اقناع إسرائيل بالامتناع عن استهداف العاصمة، ذلك لأنّ الحاق بيروت ببنك الأهداف الإسرائيلية سيؤدي إلى تقويض السلطة اللبنانية وإضعافها أكثر، وهو أمر يصبّ في مصلحة "الحزب". لهذا أيضاً مارست واشنطن ضغطها على إسرائيل لإخراج العاصمة من لائحة الاعتداءات.
في الأثناء، لا تزال واشنطن تسعى إلى وقف للعمليات العسكرية في لبنان لإطلاق مسار التفاوض المباشر بين لبنان وإسرائيل حيث تقول المعلومات إنّ المسؤولين اللبنانيين تلقوا تعهداً من الإدارة الأميركية بالضغط على إسرائيل لوقف إطلاق النار قبل بدء الجلسات التفاوضية المباشرة.
إقرأ أيضاً: بري: مع المفاوضات شرط...







