
أين "التيار الوطني الحر" من الحرب الإسرائيلية على لبنان؟ هل يؤيد "الحزب" في ما يقوم به تحت عنوان "مقاومة الاحتلال"؟ ماذا عن رأيه من المفاوضات المباشرة التي يخوضها لبنان مع إسرائيل؟ هل هو إلى جانب رئيسيّ الجمهورية والحكومة أم إلى جانب "الحزب"؟
يدلّ خطاب "التيار" على أنّه يقف في منزلة بين منزلتين: لم يجار "الحزب" في الحرب التي شنّها من خلال اطلاق الصواريخ ليل الثاني من آذار الماضي ما سمح للإسرائيلي بفتح الجبهة الشمالية، ولا يجاريه في مطلب الاحتفاظ بسلاحه بعدما اتخذت السلطة التنفيذية أكثر من قرار يقضي بحصرية السلاح بيد الدولة.
لكن "التيار" في المقابل، لا يؤيد منطق الاستسلام للإسرائيلي أو الذهاب إلى المفاوضات "ممزقين" بمعنى غياب الغطاء الوطني الجامع، والذي هو حاجة ماسة للحؤول دون الانقسام العمودي الذي يهدد الوحدة الوطنية. وهذا همّ أساسي بالنسبة لـ"التيار".
إذاً، يأخذ "التيار" مسافة من "الحزب"، لكنه لا يلتصق في المقابل في الجبهة الخصمة ولا ينجرّ إلى الدعوات التحريضية، الفئوية، لا سيما تلك التي تسوق أفكاراً تقسيمية تحت مسميات مختلفة. يتمسك بموقفه الداعي لحماية السلم الأهلي والوحدة الوطنية، واحتضان اللبنانيين.
في مقاربته السياسية، يحاول "التيار" التموضع في موقع وسطي دقيق: فهو لا يساير "الحزب" في كل خياراته، خصوصاً عندما تتعارض مع منطق الدولة أو تعرّض لبنان لمخاطر إضافية، لكنه في المقابل لا ينخرط في خطاب خصومه في دعوات المواجهة المفتوحة أو القطيعة الشاملة. هذا التموضع يعكس محاولة لتفادي الانزلاق إلى اصطفاف حاد يزيد الوضع الداخلي اهتراء.
تقول مصادر "التيار" إنّه وإن كان خارج السلطة التنفيذية، يعتبر نفسه معنياً أولاً بالحفاظ على الإنسان وصموده في أرضه، في ظل الظروف القاسية والضيقة التي يعيشها البلد. ومن هذا المنطلق، جاءت “ورقة حماية لبنان” التي أطلقها التيار، والتي ترى المصادر أن أي لبناني حريص على وطنه وعلى بقاء شعبه في أرضه لا يمكن إلا أن يلتقي معها.
تتضمن الورقة، وفق المصادر، عناوين أساسية تبدأ بالمطالبة بالانسحاب الإسرائيلي، وعودة الأسرى، ووقف الاقتتال، وعدم الانجرار إلى الفتنة الداخلية، وصولاً إلى حصرية السلاح بيد الدولة. وهنا تقول المصادر: "هشاشة الوضع الداخلي ظهرت بوضوح في الإشكال الذي وقع يوم الأحد في بيروت على خلفيّة مولد كهرباء، والذي استدعى تدخلاً مباشراً من رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة ورئيس مجلس النواب لاحتوائه".
تؤكد المصادر أنّ موقف "التيار" لا يقتصر على الدعوة إلى وقف الاقتتال فحسب، بل يشمل أيضاً وقف هدم البيوت والقرى، ووقف قتل الناس، ووقف الاعتداءات، وعدم السماح لأي جهة خارجية بالتدخل في الشؤون اللبنانية.
في السياق نفسه، تشدد المصادر على أنّ "التيار" يرفض تموضع لبنان في أي محور إقليمي أو دولي، سواء كان إيرانياً أو إسرائيلياً أو غير ذلك، ويتمسك حصراً بـ”المحور اللبناني”، بما يحفظ القرار السياسي الوطني المستقل.
تقول المصادر إنّ هذا الطرح يلتقي مع مواقف عدد كبير من القوى اللبنانية، خصوصاً في ما يتعلق بمسار التفاوض، حيث يعلن "التيار" تأييده للسلام العادل والشامل، وهو ما سبق أن عبّر عنه رئيس "التيار" النائب جبران باسيل من خلال البنود السبعة التي طرحها.
في المقابل، تبدي المصادر خشيتها من أن تتجه أركان السلطة إلى مفاوضات تفتقر إلى وحدة الموقف والرؤية، ومن دون خطة واضحة أو خطاب موحد، في ظل ما تصفه بغياب وزارة الخارجية عن السمع، وعدم قيامها بالدور المطلوب في هذه المرحلة الدقيقة.
تنتقد المصادر أيضاً مواقف بعض القوى المشاركة في السلطة، مشيرة إلى تصريحات تصدر عن نواب ووزراء يتحدثون عن “الدولة العميقة”، فيما هم جزء من مؤسسات الدولة نفسها، معتبرة أنّ من يتولى المسؤولية لا يمكنه التنصل من نتائج أدائه.
كما تتوقف عند “مؤتمر بيروت مدينة منزوعة السلاح”، معتبرة أنّ العناوين التي طُرحت فيه بدت جميلة نظرياً، إلا أنّ السؤال الأساس يبقى حول آليات التنفيذ والتطبيق على الأرض.
في السياق عينه، أجرى "ستاتيستكس ليبانون" استطلاعاً سلط الضوء على مواقف شريحة من المسيحيين في لبنان من ملفات تتعلق بوحدة البلاد، والعيش المشترك، والنظام السياسي... وقد أثبت صحة توجهات "التيار".
اذ اظهرت المعطيات إجماعًا شبه كامل لدى المستطلعين المسيحيين على وحدة لبنان، حيث أعلن غالبية ساحقة بلغت 97.98% تأييدهم لبقاء لبنان دولة واحدة، مقابل 2.02% فقط عارضوا ذلك. كما أشارت النتائج إلى قبول واسع للعيش المشترك، إذ أكدت غالبية بلغت 90.06% من المستطلعين المسيحيين قدرتهم على العيش مع طوائف من غير دينهم، فيما عبّر 9.53% عن عدم قدرتهم على ذلك، وامتنع 0.40% عن الإجابة... وهذا يدلّ على أنّ خيارات المسيحيين تبقى في الوقوف خلف الدولة، وليست فئوية ولا تحمل رهانات على الخارج.
إقرأ أيضاً: تمديد الهدنة… تثبيتٌ للاحتلال؟







