
أفرزت الانتخابات الإسرائيلية مفارقة سياسية لافتة، عنوانها تصدّر حزب «الليكود» بزعامة بنيامين نتنياهو على مستوى الأحزاب المنفردة، مقابل تقدّم معسكر غادي آيزنكوت، رئيس حزب «يشار»، في حسابات تشكيل الحكومة المقبلة. فبحسب التقديرات الأولية المنقولة عن القناة 12 الإسرائيلية، حصل معسكر آيزنكوت على 52 مقعداً، مقابل 50 لمعسكر نتنياهو، فيما نالت الأحزاب العربية 18 مقعداً، لتصبح صاحبة وزن مؤثر في تحديد موازين القوى داخل الكنيست.
وتعكس هذه الأرقام، إذا تأكدت في النتائج الرسمية، الفارق بين الفوز بالمرتبة الأولى حزبياً والفوز بالقدرة على تشكيل حكومة. فتصدّر «الليكود» لا يمنح نتنياهو تلقائياً حق البقاء في السلطة، ما دام معسكره عاجزاً عن تأمين الأكثرية البرلمانية البالغة 61 نائباً من أصل 120، فيما يبدو آيزنكوت في موقع متقدّم على مستوى المعسكرات، وإن كان يحتاج بدوره إلى تسعة مقاعد إضافية لبلوغ الأكثرية.
والأهم أن القناة 12 نقلت تقديرات تفيد بأن النتائج الأولية تتيح للرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ تكليف آيزنكوت بتشكيل الحكومة. غير أن التكليف لا يرتبط حكماً بتصدّر الحزب الأكبر، بل بمدى قدرة المرشح على تجميع الدعم البرلماني اللازم لتأليف حكومة تحظى بثقة الكنيست.
وبذلك، تنفتح المرحلة المقبلة على مفاوضات سياسية معقدة، يكون عنوانها البحث عن أكثرية لا يبدو أي من المعسكرين قادراً على تأمينها بمفرده. وهو ما يجعل تقدّم آيزنكوت خطوة سياسية مهمة، من دون أن يشكّل ضمانة لوصوله إلى رئاسة الحكومة.
أما المعطى الثاني، وربما الأكثر دلالة، فهو المشاركة الانتخابية المرتفعة، وخصوصاً الحضور العربي في صناديق الاقتراع. فقد بلغت نسبة التصويت 74.3% حتى الثامنة مساءً، أي قبل إقفال الصناديق بساعتين، متجاوزة النسبة النهائية لانتخابات عام 2022، التي بلغت نحو 70.6%. ويكشف هذا الارتفاع حجم التعبئة التي شهدها الشارع الإسرائيلي، في ظل الانقسامات السياسية والأمنية التي أعقبت أحداث السابع من تشرين الأول 2023 والحروب اللاحقة.
غير أن أهمية هذه المشاركة لا تكمن في حجمها العام فحسب، بل في توزّعها بين الناخبين اليهود والعرب. ففي انتخابات عام 2022، بلغت نسبة مشاركة العرب والدروز نحو 53.2%، وهي نسبة أدنى بكثير من المعدل العام، فيما حصلت الأحزاب العربية يومها على عشرة مقاعد فقط.
أما حصولها على 18 مقعداً وفق التقديرات الجديدة، فيمثّل زيادة كبيرة في تمثيلها البرلماني، ويطرح تساؤلات حول حجم التعبئة العربية، ومدى مساهمة ارتفاع المشاركة في هذا التحوّل.
وهنا تحديداً تكمن المفارقة الثالثة: نتنياهو يتصدّر حزبياً، وآيزنكوت يتقدّم على مستوى المعسكرات، لكن الأصوات العربية قد تصبح العامل المرجّح في معركة تشكيل الحكومة.
فمن الناحية الحسابية، يستطيع معسكر آيزنكوت، إذا حصل على دعم جميع النواب العرب، بلوغ 70 مقعداً، وهي أكثرية مريحة نظرياً. لكن تحويل هذا الاحتمال إلى واقع سياسي يصطدم برفض بعض القوى الإسرائيلية الاعتماد على الأحزاب العربية، فضلاً عن التباينات السياسية بين هذه الأحزاب بشأن المشاركة في الائتلافات الحكومية أو دعمها من الخارج.
وعليه، لا تعني المقاعد العربية الثمانية عشر أن أصحابها سيختارون بالضرورة رئيس الحكومة المقبل، لكنها تمنحهم قدرة على التأثير في خيارات المعسكرات، سواء عبر دعم حكومة أقلية أو حجب الثقة عنها أو الامتناع عن التصويت.
وفي المحصلة، قد تكون الانتخابات أعادت رسم موازين القوى من دون أن تنتج أكثرية حكومية واضحة. فبين تصدّر «الليكود» وتقدّم معسكر آيزنكوت، يبرز الصوت العربي عاملاً يصعب تجاوزه في الحسابات البرلمانية.
وهكذا، فإن السؤال الذي تطرحه النتائج الأولية ليس مَن حصل على أكبر عدد من الأصوات فحسب، بل مَن يستطيع جمع 61 نائباً، وما إذا كان آيزنكوت سيتمكن من ترجمة تقدّمه إلى حكومة من دون الاعتماد على الصوت العربي الذي قد يحمل مفتاح الحسم.
إقرأ أيضاً: الحكومة عالقة بين "حزب الله"… والأميركيين!







