قصة كبيرة

قيادة إيران بعد خامنئي

يمثل مقتل المرشد الأعلى في إيران اختباراً دستورياً وسياسياً هو الأصعب لنظام "ولاية الفقيه". فبموجب المادة 111 من الدستور الإيراني، لا تترك البلاد لفراغ في القيادة العليا، بل تنتقل الصلاحيات فوراً إلى "مجلس قيادة مؤقت" (Provisional Leadership Council) ليدير شؤون الدولة حتى يتم انتخاب مرشد جديد.

من يضم المجلس؟

يُشكل هذا المجلس من ثلاثة أقطاب رئيسية تمثل رؤوس السلطات التنفيذية والقضائية والدينية في البلاد، وهم:

-رئيس الجمهورية: (يشغل المنصب حالياً مسعود بزشكيان)، وهو يمثل السلطة التنفيذية والشرعية الانتخابية.

-رئيس السلطة القضائية: (غلام حسين محسني إجئي)، ويمثل الحارس القانوني والقضائي للنظام.

-فقيه من مجلس صيانة الدستور: يتم اختياره من قبل مجمع تشخيص مصلحة النظام. (تشير التقارير الأخيرة لعام 2026 إلى اختيار "عليرضا أعرافي" لهذا المنصب).

يتولى المجلس "كافة وظائف القيادة" بشكل مؤقت، ولكن بضوابط معينة تضمن عدم تفرد أعضائه بالقرار، وتشمل صلاحياته:

-إدارة القوات المسلحة: بصفة المرشد "القائد العام للقوات المسلحة"، يتولى المجلس الإشراف على الجيش والحرس الثوري.

-تعيينات الضرورة: يحق للمجلس تعيين أو عزل قادة القوات المسلحة ورئيس هيئة الأركان بالتنسيق مع الأجهزة المعنية.

-السياسة الخارجية: إدارة الملفات الحساسة وضمان استمرارية العلاقات الدولية والرد على التهديدات الخارجية.

-المادة 111 والقيود: لا يملك المجلس سلطة مطلقة مثل المرشد؛ ففي القضايا المصيرية (مثل إعلان الحرب أو السلام أو الاستفتاءات)، يشترط الدستور موافقة ثلاثة أرباع أعضاء مجمع تشخيص مصلحة النظام ليصبح قرار المجلس نافذاً.

المهمة الأسمى: جسر العبور نحو "المرشد الجديد"

المهمة الجوهرية لهذا المجلس ليست الحكم الدائم، بل العمل كـ "ضامن للاستقرار" خلال الفترة الانتقالية. يقع على عاتقه تسهيل عمل مجلس خبراء القيادة (المكون من 88 رجل دين)، وهو الجهة الوحيدة المخولة دستورياً بانتخاب المرشد القادم.

يجب على مجلس الخبراء، بموجب القانون، الاجتماع "في أسرع وقت ممكن" لحسم هوية الخليفة. وخلال هذه الجلسات السرية والمكثفة، يستمر مجلس القيادة الثلاثي في تسيير دفة الحكم لمنع حدوث أي اضطرابات أمنية أو سياسية قد يستغلها المعارضون أو القوى الخارجية.

في ظل الظروف الحالية التي تشهد تصعيداً عسكرياً، يواجه المجلس تحدياً مزدوجاً؛ فهو مطالب بالحفاظ على وحدة "جبهة النظام" أمام الضغوط العسكرية الأمريكية والإسرائيلية، وفي الوقت ذاته موازنة القوى بين التيار الإصلاحي (الذي يمثله بزشكيان) والتيار الأصولي المتشدد (الذي يمثله إجئي وأعضاء مجمع التشخيص)، لضمان انتقال سلس لا يؤدي إلى تصدع هيكل الدولة.

بناءً على التقارير المسربة والنقاشات الدائرة داخل أروقة النظام الإيراني في عام 2026، فإن عملية اختيار الخليفة لم تعد محصورة في اسم واحد، بل تخضع لتوازنات دقيقة بين "الحرس الثوري" والمؤسسة الدينية التقليدية.

أبرز المرشحين

أما أبرز المرشحين المحتملين الذين يدرس مجلس خبراء القيادة ملفاتهم لخلافة خامنئي، فهم:

1. مجتبى خامنئي (الابن القوي)

يُعتبر الاسم الأكثر إثارة للجدل والقرب من مراكز القرار:

-نقاط القوة: يتمتع بنفوذ هائل داخل أجهزة الاستخبارات و"بيت الولي الفقيه"، ويحظى بدعم قطاعات واسعة من قيادات الحرس الثوري.

-التحديات: يواجه معارضة من رجال الدين التقليديين الذين يرفضون "توريث" السلطة، معتبرين أن ذلك يحوّل الجمهورية إلى "ملكية مقنعة"، وهو ما يتناقض مع مبادئ الثورة عام 1979.

2. علي رضا أعرافي (رجل المؤسسة الدينية)

-نقاط القوة: يُنظر إليه كشخصية أكاديمية ودينية مرموقة، ويمثل "الخيار الآمن" الذي يجمع بين الولاء المطلق للمرشد وبين القبول لدى المؤسسة الدينية في قم.

-التحديات: يفتقر إلى الكاريزما الجماهيرية والنفوذ المباشر داخل القوات المسلحة مقارنة بمجتبى خامنئي.

3. صادق لاريجاني (رئيس مجمع تشخيص مصلحة النظام)

رغم تراجع أسهمه في سنوات سابقة، إلا أنه عاد للواجهة كمرشح تسوية:

-نقاط القوة: يمتلك خبرة قانونية وسياسية طويلة من رئاسته السابقة للقضاء، وينتمي لعائلة "لاريجاني" ذات النفوذ السياسي العريق.

-التحديات: ملفات الفساد التي طالت بعض مساعديه سابقاً قد تُستخدم ضده لإضعاف موقفه أمام مجلس الخبراء.

4. خيار "المجلس القيادي" الدائم

هناك تيار داخل النظام يدفع باتجاه تعديل دستوري لإلغاء منصب "المرشد الفرد" واستبداله بـ "مجلس قيادة دائم":

-الهدف: توزيع السلطات لمنع الصدام بين الأجنحة المتصارعة وتفادي تركيز السلطة في يد شخص قد لا يحظى بإجماع.

-العقبة: هذا الخيار يتطلب استفتاءً شعبياً وتعديلاً دستورياً معقداً، وقد يراه المتشددون إضعافاً لمنصب الولي الفقيه. في ظل التوترات العسكرية الراهنة، لن يكون القرار دينياً بحتاً. الحرس الثوري سيبحث عن مرشد يضمن استمرار تمويل "فيلق القدس" وحماية البرنامج النووي، ولن يسمح بوصول شخصية قد تميل نحو الانفتاح المفرط على الغرب

إقرأ أيضاً: "التيار"- "الحزب": "ديل" في كسروان- جبيل

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى