
يشكّل الاتفاقان المبرمان بين لبنان وإسرائيل عامَي 2024 و2026 مرحلتين مختلفتين في مقاربة النزاع، إذ ينتقل الإطار العام من معالجة أمنية محدودة إلى مسار سياسي أشمل يحمل في طياته أبعادًا سيادية داخلية.
في حين استند اتفاق 2024 إلى تنفيذ قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1701، مع التركيز على وقف الأعمال العدائية وضبط الوضع في جنوب الليطاني تحت إشراف قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان، يأتي اتفاق 2026 ليؤسس لمرحلة مختلفة تقوم على وقف مؤقت للأعمال العدائية يمهّد لمفاوضات مباشرة بين الطرفين بهدف الوصول إلى اتفاق سلام دائم.
على المستوى التنفيذي، تبرز مجموعة من الفروقات الجوهرية بين الاتفاقين:
• نطاق التنفيذ:
في 2024 يقتصر التنفيذ عمليًا على منطقة جنوب الليطاني، بينما في 2026 يمتد ليشمل كامل الأراضي اللبنانية، مع تحميل الدولة مسؤولية ضبط كل الأنشطة المسلحة.
• طبيعة الالتزامات الأمنية:
اتفاق 2024 يربط الالتزامات بتطبيق القرار 1701، في حين يفرض اتفاق 2026 التزامًا مباشرًا وصريحًا بحصر السلاح بيد الدولة اللبنانية دون مواربة.
• آلية التنفيذ والرقابة:
يعتمد اتفاق 2024 على آلية ثلاثية برعاية الأمم المتحدة ووجود ميداني لـليونيفيل، بينما ينتقل اتفاق 2026 إلى إشراف سياسي وأمني تقوده الولايات المتحدة بشكل أساسي، مع غياب تفصيلات ميدانية واضحة.
• المدة الزمنية وآلية التقييم:
يتمتع اتفاق 2024 بطابع مفتوح نسبيًا، في مقابل اتفاق 2026 المحدد بفترة أولية قصيرة (10 أيام) قابلة للتمديد، ما يجعله خاضعًا لتقييم دوري مرتبط بمدى التزام لبنان.
• توازن الالتزامات بين الطرفين:
يكرّس اتفاق 2024 نوعًا من التوازي بين الانسحاب الإسرائيلي وانتشار الجيش اللبناني، بينما يضع اتفاق 2026 عبئ التنفيذ بشكل أساسي على الجانب اللبناني، لا سيما في ما يتعلق بضبط السلاح.
بالتفصيل، يتبيّن أن في 2024، هناك محاولة (ولو شكلية) لخلق توازن: إسرائيل تنسحب تدريجيًا، لبنان ينشر الجيش في الجنوب، التنفيذ متزامن وتحت إشراف دولي، والمسؤولية موزّعة بين الطرفين.
لكن في 2026، هذا التوازن يختفي تقريبًا: ينقل العبء إلى لبنان لأنّه مسؤول عن منع كل الهجمات، عن ضبط كل السلاح، وعن إثبات “قدرته” على السيادة. في المقابل: لا التزامات ميدانية تفصيلية مقابلة على إسرائيل. وبالتالي لبنان يخضع لتقييم… وإسرائيل لا.
كما أنّ هناك فجوة القدرة مقابل الالتزام: لبنان مُلزَم بضبط جماعات غير خاضعة بالكامل لسلطته، وإسرائيل غير مُلزَمة بشيء يتجاوز قرارها الذاتي
• حرية العمل العسكري:
في 2024 يبقى هذا الحق ضمن الإطار العام للقانون الدولي، أما في 2026 فيُعطى طابعًا أكثر مرونة لإسرائيل، بما يسمح لها بالتحرك في أي وقت تحت عنوان الدفاع عن النفس.
بالتفصيل يتبيّن، أنّه في اتفاق 2024، وردت عبارة “حق الدفاع عن النفس” ضمن الإطار التقليدي المرتبط بالقانون الدولي وقرار مجلس الأمن الدولي 1701، أي: حق مقيّد نظريًا، مرتبط بوقوع اعتداء واضح، خاضع لرقابة سياسية عبر قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان والآلية الثلاثية. لكن في اتفاق 2026، تغيّر هذا المفهوم جذريًا: الحق لم يعد ردّ فعل، بل أصبح استباقيًا، النص يسمح بالتحرك ضد “هجمات مخطط لها أو وشيكة”، أي أن التهديد يكفي، وليس الفعل. ثمة غياب أي آلية ردع فعلية، ولا يوجد إطار رقابي ميداني واضح يقيّد هذا الحق، ما يعني أن التقدير يبقى بيد إسرائيل وحدها.
إذاً حرية العمل العسكري في 2026 ليست استثناءً… بل قاعدة تشغيل. أي أن: وقف إطلاق النار لا يمنع الضربات، بل يضع لها تسمية قانونية مختلفة.
• الإطار السياسي العام:
لا يخرج اتفاق 2024 عن كونه آلية لاحتواء التصعيد، في حين يذهب اتفاق 2026 أبعد من ذلك عبر الإقرار بعدم وجود حالة حرب، وفتح الباب أمام مسار تفاوضي مباشر.
إقرأ أيضاً: من حيّد بيروت عن الاعتداءات؟







