
لم يعد التعديل الوزاري مجرّد فكرة تُطرح في الكواليس ثم تُسحب من التداول. فبعد أسابيع من النقاشات حول أداء الحكومة، عادت حركة الاتصالات والمشاورات بين القوى السياسية المشاركة في الحكم إلى الواجهة، وسط بحث جدّي في إمكان إجراء تعديل يطال عدداً من الحقائب، تحت عنوان أساسي: إعادة تفعيل العمل الحكومي وإعطاء الحكومة زخماً جديداً بعد نيلها الثقة.
مصدر سياسي متابع للمشاورات يقول إن عمر الحكومة، الذي تخطّى السنة والثمانية أشهر، بدأ يفرض مراجعة لأداء الوزراء، بعدما تبيّن أن إنتاجية عدد من الوزارات بقيت محدودة، فيما لم تستطع وزارات أخرى مواكبة المرحلة بالسرعة والفعالية المطلوبتين. بحسب المصدر، فإن النقاش لا ينطلق من رغبة في إعادة تشكيل الحكومة أو المسّ بتوازناتها، بل من محاولة إجراء "تصحيح" داخلها، من خلال تغيير عدد من الوزراء.
تشمل الأسماء المتداولة في بورصة التعديل عدداً من الحقائب، من بينها الطاقة والاتصالات والخارجية والبيئة والتربية والسياحة والإعلام، مع التأكيد أن البحث لا يزال في إطار المشاورات ولم يصل إلى مرحلة الحسم.
اللافت أن النقاش لا يجري في اتجاه سياسي واحد، إذ يبدو أن لدى أكثر من مرجعية ملاحظات على أداء بعض الوزراء. وفي هذا السياق، تفيد المعلومات بأن رئيس الجمهورية جوزاف عون لديه تحفظات على أداء بعض الوزراء، بعدما انعكست طريقة إدارة بعض الملفات على صورة الحكومة والعهد أمام الرأي العام.
في السراي الحكومي، لا تبدو الصورة مختلفة كثيراً. فبحسب المصدر نفسه، وصل رئيس الحكومة نواف سلام إلى قناعة بأن أداء عدد من الوزراء وإنتاجيتهم لا يرقى إلى مستوى المرحلة، خصوصاً بعد جلسة مساءلة الحكومة، التي وضعت أداء عدد من الوزراء تحت الضوء وأحرجت رئيس الحكومة في أكثر من ملف.
أما على خط عين التينة، فتشير المعلومات المتداولة إلى أن رئيس مجلس النواب نبيه بري يفضّل استبدال وزير الاقتصاد فادي مكي بوزير آخر يكون، بحسب المصادر، أكثر انسجاماً والتزاماً مع الثنائي الشيعي داخل الحكومة.
لكن ما يعطي فكرة التعديل زخماً إضافياً هذه المرة هو أن بعض "طباخي" القرار في الحكومات المتعاقبة أعادوا إحياءها انطلاقاً من حسابين لا علاقة مباشرة لهما بأداء هذا الوزير أو ذاك. الحساب الأول يتصل بالحاجة إلى إحداث "صدمة إيجابية" لدى الناس، في وقت باتت فيه المطالب المعيشية ضاغطة إلى حدّ يخشى معه البعض من أن تتحوّل إلى شرارة انفجار في الشارع؛ فتغيير بعض الوجوه، من هذه الزاوية، يُراد منه إعطاء انطباع بأن السلطة تتحرك وتستجيب، ولو جزئياً، لحال الاحتقان الشعبي. أما الحساب الثاني فمرتبط بأفق الحكومة الزمني نفسه: إذ يتردّد أن هذه الحكومة قد تُعمَّر إلى ما بعد إقفال صناديق الاقتراع في الانتخابات النيابية المقبلة، وهو احتمال يدفع بعض الأطراف إلى تفضيل تعديل جزئي الآن على الانتظار حتى موعد قد يطول، بما يتيح تصويب بعض الاختلالات مبكراً بدل تحمّل تبعاتها طوال الولاية.
لكن الطريق إلى التعديل ليست معبّدة. فكل طرف يريد تحسين أداء الحكومة، من دون أن يدفع ثمن ذلك سياسياً. وهنا تكمن العقدة الأساسية: كيف تُغيَّر وزراء لأن أداءهم لم يكن بالمستوى المطلوب، من دون أن يبدو الأمر وكأنه اعتراف بفشلهم أو فشل الحكومة؟
لهذا السبب، يبدو أن أي تعديل محتمل سيكون محكوماً بمعادلة دقيقة: تغيير في الوجوه، من دون تغيير في الحصص؛ تحسين في الأداء، من دون المسّ بالتوازنات؛ وإعادة إطلاق العمل الحكومي، من دون فتح أزمة سياسية جديدة — إلى جانب هاجس إضافي بات حاضراً بقوة: كيف تُستثمر "الصدمة الإيجابية" المرجوّة من التعديل قبل أن تُستنزف مفاعيلها، وكيف يُدار التوقيت بما يراعي احتمال طول عمر هذه الحكومة.
وبين هذين الحدّين، تتحرك الاتصالات في الكواليس. فهل تكون الحكومة أمام تعديل وزاري فعلي يعيد توزيع بعض الحقائب والوجوه، أم أن الحسابات السياسية والخشية من الاعتراف بفشل بعض الوزراء ستعيد الملف إلى نقطة الصفر؟
إقرأ أيضاً: ما حقيقة استقالة جو الصدّي من الحكومة؟




