قصة كبيرة

"الأحرار" خارج "الجمهورية القوية"… بلا طلاق ولا قطيعة

صار واضحاً أنّ حزب الوطنيين الأحرار بات خارج تكتّل "الجمهورية القوية". لا إعلان طلاق أو انفصال أو تمرّد، ولا بيانات تصعيدية أو سجالات علنية، ولكنّ كل المؤشرات تدلّ على أنّ حزب كميل شمعون اختار لنفسه طريقاً جديداً.
تُظهر حركة قيادته أنّها منحت نفسها هامشاً واسعاً من حرية الحركة، بعيداً عن الاصطفافات التي حكمت علاقاته السياسية في المرحلة السابقة. الاتصالات مع "القوات" جارية على قدم وساق، لكن لكل جهة أسلوبها ومقاربتها وحساباتها. ولا خلاف يستوجب القطيعة. ومن هنا، قرّر حزب الأحرار فتح أبوابه وقنوات النقاش مع قوى سياسية لم يكن بينه وبينها "حائط عمار"، والخروج من دائرة العلاقات المحصورة بحلفاء محدّدين إلى مساحة أوسع من التواصل السياسي.
زيارات نوعية قامت بها القيادة التي تقود النفضة التنظيمية والسياسية داخل الحزب، حملت رسائل تتجاوز طابعها البروتوكولي: تقارب ودعم واضح لرئاسة الجمهورية، ونقاش في العمق مع رئيس مجلس النواب نبيه بري، وزيارة فوق العادة لرئيس تيار المردة سليمان فرنجية… وهي محطات لم تكن لتُقرأ بالطريقة نفسها قبل فترة، حين كانت خيارات الأحرار تُربط تلقائياً بخيارات "القوات اللبنانية" وتحالفاتها.
أمّا اليوم، فيبدو أنّ الحزب يريد أن يقول إنّه قادر على بناء علاقاته بنفسه، وأنّ الاختلاف السياسي لا يمنع الحوار، كما أنّ التحالف في ملف لا يستوجب التطابق في جميع الملفات.
حتى التفاوض الانتخابي خضع لانقلاب نوعي: في نقابة المحامين تنسيق عميق مع "تيار المستقبل"، ونقاش جديّ مع "التيار الوطني الحر" ومع حركة "أمل"، بعدما استُبعِد مرشح "الأحرار" عن اللائحة التي تضم "القوات" و"الكتائب" . لم تعد التحالفات تُصاغ انطلاقاً من تموضع سياسي ثابت، بل وفق حسابات الحزب ومصالحه وحضوره في كل استحقاق. وهي مقاربة تمنحه هامشاً إضافياً للمناورة، وتحرّره من انتظار ما يقرره الآخرون.
شيء ما يتغيّر داخل حزب الأحرار. وليس التغيير مجرّد تبديل في الزيارات أو توسيع لائحة المواعيد واللقاءات، بل محاولة لاستعادة دور سياسي مستقل، كقوة سياسية لها تاريخها وخصوصيتها وقاعدتها الشعبية.
إنّها العودة إلى الجذور، إلى روحية الحزب الذي أسّسه كميل شمعون، والذي لم يُبنَ ليكون ملحقاً بأي فريق. فالتاريخ الشمعوني، بما يحمله من حضور سياسي وشعبي، لا يمكن اختزاله في تحالف انتخابي أو موقع داخل تكتّل نيابي.
رئيس الحزب مرتاح للسلوك الجديد ويراهن عليه، كما تراهن عليه القاعدة الشمعونية التي لها امتدادات مناطقية لا تنحصر في دائرة واحدة، ورصيد وجداني لا يُختصر بمقعد ينتظر الحزب من الآخرين أن يمنحوه إياه. فالمشكلة ليست في المقعد بحدّ ذاته، بل في أن يتحوّل الحصول عليه إلى سقف للطموح السياسي، وأن يصبح الحفاظ عليه أهمّ من استعادة الحضور الذي كان للحزب يوماً.
الأكيد أنّ الأحرار لم يعودوا يتصرّفون على قاعدة انتظار الآخرين. لقد قرّروا التحرّك خارج الظلّ، على أمل استعادة مساحة سياسية تترجم تاريخ المؤسس وأفكاره وطموحاته.

إقرأ أيضاً: تهدئة رئاسية مع "حزب الله"؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى