
بعدما طرحت تساؤلات عدة في الأيام الماضية حول احتمال استقالة وزير الطاقة جو الصدي من الحكومة، فإن هذا الأمر إن حصل، وهو صعب جداً، سيكون بناءً على الخلفية الآتية: لا تعتبر "القوات اللبنانية" وزيرها جو الصدي مقصّراً، لا بل تعتبر أنّه قام بما لم يقم به أي وزير آخر ضمن "الطاقة" لجهة الضغط على مؤسّسات الدولة وإداراتها لدفع مستحقاتها لكهرباء لبنان، وتقديم الاقتراحات الممكنة لكهرباء أفضل وميزانية أكبر للمؤسّسة، وتقديم اقتراحات جدّية لرفع التعرفة من أجل زيادة ساعات التغذية والحدّ من جشع أصحاب المولدات الكهربائية، وتقديم اقتراح عملي في ما يخصّ الإعفاءات المرتبطة بأهالي الجنوب والضاحية.
يقول العارفون نقلاً عن الجوّ القواتي إنّ أي استقالة محتملة هي بوجه الحكومة أولاً التي لا تتجاوب مع مطالب وزير الطاقة، وليس إقراراً بتقصير وزير القوات أو فشله، خصوصاً أن المناخات العامّة في البلد باتت تتعاطى مع الويزر الصدي، وكأنّه امتداد لسياسات جبران باسيل ووزارئه في وزارة الطاقة. هذا الملف تحديداً تحوّل إلى مادة تراشق ساخنة بين العونيين والقواتيين، ومادة توتّر بين القوات ورئيس الحكومة، ومادة اشتعال في قلب الحكومة نفسها التي ترزح تحت أثقال المطالب المالية والاجتماعية والمعيشية والاقتصادية.
من هنا، بدأ التلميح بإمكانية استقالة الصدّي لرميها بوجه الحكومة بالدرجة الأولى، لكن اشكالية هذا السيناريو تكمن في أنّ "القوات" لن تتخلى عن المقعد الوزاري بشكل مجاني، بمعنى أنّها ستحاول مقايضة حقيبة الطاقة الملتهبة بحقية لا تقلّ ثقلاً ولكن أقل "إشتعالاً". وبالتالي ستفتح الاستقالة والبحث عن حقيبة بديلة، الباب أمام تعديل وزاري، يريده الكل، ومع ذلك يخشون مقاربته.
العقدة الأصعب في هذا السيناريو هي في مصير حقيبة الطاقة: أي مجنون مستعد لتوليها في هذه الظروف الصعبة المرشحة على مزيد من التصعيد؟ أي فريق سياسي مستعد لتحمل تبعاتها؟
بمطلق الأحوال، يقول العارفون إن لا معلومة حاسمة راهناً في شأن استقالة وزير الطاقة، والتي كانت قد سبقتها إشاعات حول احتمال "إقالة" وزير الخارجية يوسف رجي، وهي أيضاً معلومة غير صحيحة. الأهمّ، أن كلام رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع المتكرّر حول "الدولة العميقة" يندرج من ضمنه ملف الكهرباء لجهة تطنيش "السيستم" القائم عن محاسبة وزراء الطاقة المتعاقبين، والذين أوصلوا ملف الكهرباء إلى مرحلة "الانفجار" والتعثّر الكامل. وأصلاً، أي استقالة بهذا الاتّجاه لن تأخذ من درب القوات وزيراً بالناقص، حيث تصرّ القوات على الاحتفاظ بحصتها الوزارية المؤلّفة من أربعة وزراء.
في الأوساط القواتية، تأكيدات أن هذه الاستقالة غير مطروحة راهناً على الطاولة، وأن التغريدة التي أطلقها ايلي محفوض القريب من معراب، كانت بمثابة تحذير أكثر مما هي واقع قائم، خصوصاً أنّه أضاء على مكامن الخلل لجهة "عدم عرض ملف الطاقة حتى اليوم أمام شركة تدقيق عالمية مستقلّة تدخل إلى كل العقود والحسابات والالتزامات وتفتش في تفاصيل هذه المغارة منذ بدايتها"، وبأن "جوهر المشكلة ليس في وزير جاء إلى وزارة مثقلة بتراكمات عقود وقرارات ومليارات صُرفت عبر سنوات، بل في منظومة لم تسمح يوماً بأن تُكشف الصورة كاملة"، وهو انتقاد مباشر للسلطة القائمة.
على ما يبدو بدأت القوات انتخاباتها النيابية باكراً، فهي لا تريد أن يرتد أداء وزارة الطاقة سلباً عليها، لذلك بدأت تلوّح باعتراض من داخل الحكومة على الحكومة، وتحاول فصل أداء وزيرها و"نضاله" داخل السراي عن أداء الحكومة وسياساتها. لكن، سيكون من كبرى المفارقات أن تتخلّى القوات عن وزير قواتي، لتأتي بوزير قواتي آخر، لأن ذلك سيشكّل إدانة لمعراب وللوزير الصدي، طالما الظروف القائمة هي نفسها، والوزير الجديد لن يتمكّن من تغيير المكتوب الذي لم يتمكن جو من تغييره!
إقرأ أيضاً: مرسوم تجنيس في عهد جوزاف عون؟




